كيف تتعامل مع الأشخاص المسيئين؟

طريقة للتعامل مع الأشخاص المسيئين والمستفزين

كيف تتعامل مع الأشخاص السيئين؟ ولماذا يختلف بعضهم عن بعض؟ يتناول هذا المقال أساليب عملية لفهم الإساءات السلوكية اليومية، والتمييز بين درجاتها، وبناء نظرة أكثر هدوءا تساعدك على حماية نفسك من هذا الطوفان الذي أقل آثاره تعكير صفوك إن سمحت له بأن يغمرك، كما يساعدك على اتخاذ قرارات أفضل في علاقاتك، وتجنب المعاناة مع الأشخاص المؤذين والمستفزين الذين يجعلون التعامل معهم مرهقا.

هناك حقيقة يغفل عنها كثير من الناس وهي أن الإساءة ليست دائما مشكلة يجب القضاء عليها، بل قد تكون وسيلة لتقييم الناس. ولذلك لن نتحدث في هذا المقال عن كيفية الرد على المسيء، بل عن كيفية الاستفادة من وجوده.

لا يكاد يخلو بيت، أو مكان عمل، أو مجلس، أو حتى علاقة عابرة، من شخص يسيء إلى غيره بطريقة أو بأخرى، حتى بالمزاح. ولذلك فإن السؤال ليس: كيف نتجنب المسيئين؟ بل: كيف نتعامل معهم دون أن نخسر راحتنا النفسية؟

لماذا يختلف الأشخاص المسيئون عن بعضهم؟

لكن قبل الإجابة، لا بد من التفريق بين أنواع الإساءة؛ فليس كل الأشخاص السيئين سواء، كما أن الأشخاص المؤذين ليسوا جميعا على الدرجة نفسها من الضرر.

قد يوجد من يعيش معك في المنزل، أو تشاركه العمل، أو تلتقيه كل يوم، وهو مسيء، فلا سبيل إلى تجنبه بسهولة. وقد يوجد من يسيء إليك على فترات متباعدة، فتغلب عليه المعاملة الحسنة، ثم تزل قدمه أحيانا بقصد أو بغيره، هذا الصنف لا ينبغي أن يوضع في كفة واحدة مع المسيء المعتاد.

وما سأركز عليه هنا ليس الجرائم، ولا الاعتداءات الجسيمة، ولا العلاقات السامة التي تهدد الإنسان في دينه أو نفسه أو كرامته، فهذه لها أحكامها الخاصة، وقد يكون الابتعاد عن أصحابها هو الحل الصحيح. وإنما المقصود الإساءات السلوكية اليومية البسيطة؛ كالكلمة الجارحة، أو التجاهل المتعمد، أو التصرف المستغرب، أو الحسد، أو التكبر، أو المنافسة غير الشريفة، أو منع خدمة بسيطة عند الحاجة، أو غير ذلك من التصرفات التي تتكرر كثيرا بين الناس بحسب تقلب أمزجتهم واختلاف أحوالهم.

متى تتجاهل الإساءة ومتى تضع حدا لها؟

وهنا يقع كثير من الناس في خطأ شائع، وهو تعميم النصائح. فما إن يشكو من إساءة بسيطة حتى يعتقد أن الحل: “اهجره”، أو “اقطع علاقتك به”، أو “لا تتعامل معه مرة أخرى”. هذا قد يكون مناسبا في بعض الحالات، لكنه ليس الحل في كل المواقف. ولو طبقه الإنسان على كل إساءة صغيرة، لذهب أكثر علاقاته وأصبح يعيش في عزلة دائمة.

الحياة بطبيعتها ميدان متقلب للاختبار، لسنا في الجنة، لم يخلق الناس ليكونوا كالملائكة، أو على طباع واحدة. ففيها الشهوات المتأججة كنيران الجحيم – حفظنا الله من شرها، والمنافسات، والخيانات، والتسابق في زيفها البراق، والحسد، والكبر، والهوى، ووساوس الشيطان القريبة، لذلك من الطبيعي أن ترى من يخطئ، ومن يسيء، ومن تغلبه نفسه أحيانا كثيرة رغم ندمه المتكرر على ذلك – إن كانت فيه بقية إحساس.
فمثلا من النماذج التي يشتكي منها الناس الأشخاص الغيورون الذين يصعب عليهم رؤية نجاح غيرهم، فيظهر ذلك في كلماتهم أو تصرفاتهم.

حين تدرك هذه الحقيقة، يتغير أسلوب تعاملك مع الناس. تدرك أنك تعيش في دنيا صممت على هذا النحو. إنها دار ابتلاء، فيها شياطين الإنس والجن، والمغريات، ودواعي الفساد، مع وجود جمال ونقاء وصفاء، لكنها أندر مما يظنه كثير من الناس. فبدلا من أن تستنزف طاقتك في الغضب من كل تصرف – وقد يكون تافها، تبدأ بالنظر إليه على أنه جزء من طبيعة الحياة، واختبار من اختبارات الصبر وحسن التقدير. وفرصة لدراسة الناس والتعلم من تصرفاتهم.

هنا يبدأ التحول الحقيقي. فالمقصود ليس أن تتعلم كيف ترد على المسيء فحسب، بل أن تعيد تفسير الإساءة نفسها. فعندما تنظر إليها على أنها نافذة تكشف لك حقيقة صاحبها، وفرصة لتدريب نفسك على الصبر وحسن التقدير، تتحول من عبء يثقل قلبك إلى درس يزيدك خبرة، ويجعلك أهدأ، وأدق في فهم الناس واختيار من يستحق أن تمنحه ثقتك.

كيف تحول إساءة الآخرين إلى مصدر قوة؟

ومن أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان في هذا الباب أن يراقب بعض التصرفات من مسافة نفسية آمنة، لا يتأثر ولا ينفعل، كأنه يقف على شرفة مرتفعة يراقب المشهد من بعيد. فتنظر إلى المشهد كله، وتبتسم كلما رأيت أحدهم يتصرف على ذلك النحو. ولا تضطرب؛ فليس ذلك استهزاء بالناس، وإنما إدراك لطبيعة النفس البشرية وضعفها، فكثير منهم تغلبهم أهواؤهم أكثر مما يملكون زمامها.

فإذا رأيت حسودا يحسد، أو متكبرا يتعالى، أو شخصا يمنع معروفا كان يستطيع تقديمه، أو مسيئا يقول كلمة غير مناسبة، فلا تجعل أول ما يخطر ببالك: كيف أرد عليه؟ بل اسأل نفسك: ماذا يخبرني هذا التصرف عن صاحبه؟ وتدبر، فهي فرصة لمعرفة حقيقة الدنيا والنجاة من شرها.

كل إساءة متكررة تكشف جانبا من شخصية صاحبها

كل إساءة متكررة تكشف جانبا من شخصية صاحبها، وهذا في حد ذاته معلومة نافعة. فهي تساعدك على تقدير الناس تقديرا صحيحا، وتحديد مقدار الثقة الذي يستحق المنح لكل واحد منهم. وكثير من الخسائر في العلاقات لا تنشأ من سوء الناس وحده، بل من سوء تقديرنا لهم، فنرفع من لا يستحق، أو نثق بمن لم يثبت أنه أهل للثقة. وهذه التجارب الصغيرة تجعلنا نعرف أن البشر يوضعون في درجتهم بلا إفراط في احتقارهم أو تقديرهم، ولا تفريط في وضع النفس لأجلهم أو الإساءة إليها برد الإساءة إليهم.

ومن هنا يتحول الموقف إلى مكسب. فبدلا من أن تكون الضحية، تنتفع بالتعلم والملاحظة والإحساس بأنك أكثر تماسكا، وأن المسيء لم يعد قادرا على جرّك إلى مستواه. فتبتسم؛ لأنك فهمت حقيقته، ولم تعد تنتظر منه ما ليس فيه. لذا بدلا من أن يسرق المسيء راحة بالك، يزيدك راحة وفرحا بما عندك وبنفسك الأبية، ويكشف لك نفسه دون أن تتعب في اكتشافها، لأن كثيرا من الناس يتصرف بعفوية تكشف ما في نفسه.

ومع ذلك، لا يعني هذا قبول الإساءة أو الرضا بها، ولا ترك الحقوق، ولا السكوت عن الظلم إذا تجاوز حده، وإنما المقصود ألا تمنح كل تصرف أكبر من حجمه، وألا تسمح لكل كلمة عابرة أن تستولي على يومك أو تشغل فكرك ساعات طويلة. ولا لمزعج يتقافز حولك أن يفسد عليك راحتك، فهو أدنى من أن يستحق لقب “المؤثر عليك”.

ومن المفيد أيضا أن تتذكر أن الناس درجات، وأن الإنسان قد يخطئ اليوم ثم يعتذر أو يتراجع غدا، وقد تزل قدمه في موقف ويحسن في عشرات المواقف الأخرى. ولذلك فإن العدل يقتضي أن يكون الحكم على الناس مبنيا على مجموع أحوالهم، لا على موقف واحد، إلا إذا أصبحت الإساءة عادة مستقرة لا استثناء عابرا، وأصبحت القدرة على احتمالها صعبة.

عندما ترى تصرفا سيئا، احمد الله أن عافاك منه، وقل في نفسك: لو نزلت إلى مستواه، لصرت مثله. أما أن أحافظ على هدوئي وحسن خلقي وضبط نفسي، فهو الانتصار الحقيقي الذي لا يحققه إلا من ملك نفسه.

أنا ملك لا ريشة يتسلى الجميع بنفخها هنا وهناك.

كن حذرا من الجمال؛ فما أكثر من أسقطهم، وما أقل من ثبتوا أمامه.

وفي النهاية، ليست القوة في أن تنتصر في كل جدال، ولا أن ترد على كل كلمة، ولا أن تحطم من يسيء إليك أو تفحمه تماما، بل أن تتعلم متى تسكت، ومتى تتكلم، ومتى تبتسم، ومتى تكتفي بأن تراجع تقديرك لصاحب ذلك التصرف، وتمضي في طريقك مطمئن النفس نحو الهدف الأسمى الذي خُلقت لأجله، وهو الجنة، حيث لا غل ولا حسد ولا تنافس، بل تعب ولا عياء ولا هم ولا غم ولا عوز.

بعض الناس لا يحتاجون إلى العقوبة، بل يكفي أن تعرف حقيقتهم، وتضعهم في المكان الذي يستحقونه داخل ميزان علاقاتك، وتتحرر من المبالغة في تقديرهم. وقد تكون هذه الطريقة، في كثير من الأحيان، أذكى طريقة للتعامل مع الأشخاص المسيئين.

ربما يكون أعظم انتصار على المسيء هو ألا ينجح في تحويلك إلى نسخة أخرى منه. وإذا أردت أن ترتاح وتكون ممن يرتاح الناس لصحبتهم، فتأمل صفات الشخص المريح؛ فهو لا يتتبع الزلات، ولا يفتعل الخصومات، ولا يجعل كل خلاف معركة، بل يعرف متى يتجاوز ومتى يضع الحدود.

Exit mobile version