أهمية ضبط النفس عند الغضب

أهمية ضبط النفس ومنع الغضب من تحويل موقف تافه عابر إلى مشكلة كبيرة؟

ليست قوة الإنسان في أن يخيف كل من أساء إليه، ولا في أن يثبت في كل موقف أنه قادر على الرد. فقد تكون القوة أحيانا في كلمة حازمة، وقد تكون في الانصراف، وقد تكون في الصمت.

وأصعبها أن تكون قادرا على التصعيد ثم تختار ألا تفعل. وهذا هو الحِلم عند الغضب، ولعله من أفضل الحلول؛ لأن الغضب قد لا تحمد عاقبته. وبدلا من تعكير المزاج والدخول في متاهة مع إنسان لا يعقل أو لا يعي ما يقول أو يفعل، يكون الأفضل السيطرة على الغضب وكظم الغيظ.

هنا تظهر أهمية ضبط النفس؛ فثوان قليلة من الغضب قد تحول موقفا عابرا إلى شجار، والشجار إلى إصابة، والإصابة إلى مشكلة لا تتناسب مطلقا مع السبب الذي بدأت منه.

ويوجد وهم يغتر به كثير من الناس، وهو: أنا شجاع وبطل!

نعم، كن شجاعا وبطلا، لكن في الحق وعند ضرورة الدفاع عن النفس والعرض والدين، لا احتقارا للناس وتحديا لهم وتجاوزا عليهم وإزعاجا لهم.

فلو كان الإنسان قويا كما يتوهم، لاستطاع مثلا رد صفعة شرطي أو جندي يسيطر عليه ويرميه في السجن. فأين البطولة حينها؟ بل تجد بعض من يتظاهرون بالشجاعة، عندما يتحول الأمر إلى الجد، أول من يفر ويترك ساحة الوغى!

عندما يكون الغضب مشروعا لكن التصرف خاطئا

حدث معي موقف بسيط جعلني أفكر في هذه المسألة.

لدي كلب يخرج أحيانا خارج المنزل، ويمر به بعض الأطفال فيرمونه بالحجارة. وفي إحدى المرات مر عدد من المراهقين، وأخذوا يقذفونه بعنف بحجارة كبيرة يمكن أن تؤذيه إن أصابته.

خرجت غاضبا لأمنعهم، وكان في ذهني أن أخيفهم حتى يفهموا أن ذلك لن يمر بسهولة، فلا يكرروه.

وعندها بدا أحدهم متحديا وقال: «أنا كذا؟»، كأنه يجس نبضي، فرددت عليه غاضبا بألفاظ لم تكن ضرورية.

وانتهى الموقف، لكن بقي السؤال:

ماذا لو كانوا أكبر أو أكثر استعدادا للشجار؟

هنا أدركت أن المشكلة ليست دائما في الغضب؛ فقد يكون في أصله مبررا، لكن الطريقة التي يعبر بها الواحد عنه هي التي تصنع الحل أو المشكلة، وبينهما خيط رفيع.

كان المطلوب إيقاف الإعتداء على الحيوان فقط، لا فتح باب مشاكل جديد مع بعض البشر التافهين العابرين.

التخويف ليس دائما ردعا

يلجأ بعض الناس إلى رفع الصوت أو السب أو إظهار الإستعداد للمواجهة باعتبار ذلك وسيلة للردع.

وقد ينجح هذا أحيانا.

لكن المشكلة أنك لا تعرف دائما من أمامك.

قد يخاف أو لا يهتم وينصرف، مثل الصغير الذي سببته، وقد يعتبر كلامك تحديا له. وقد يكون هو الآخر غاضبا أو متهورا أو في غير وعيه أو مختل التصرف، فيرفع مستوى التهديد إلى درجة أخرى.

وعندئذ تجد نفسك مضطرا إلى التراجع أو الاستمرار في تصعيد تافه لم تكن تريده أو تحسب حسابه أصلا، وأحلاهما مر.

لهذا لا ينبغي أن يكون التخويف أداتنا الأولى.

الحزم شيء، والعدوان ولو بالكلام شيء آخر.

يمكنك أن تقول بوضوح:

«توقفوا عن رمي الحيوان بالحجارة».

وقد ترفع صوتك بالقدر اللازم ليسمعوا جدية الأمر، من غير سب ولا تهديد ولا اقتراب غير ضروري.

لقد حققت بذلك غرضك الأساسي: أعلنت الحد الذي لا ينبغي تجاوزه.

احسب قيمة الموقف قبل أن تدخل فيه

من الأسئلة النافعة عند الغضب:

ماذا أريد بالضبط من غضبي؟

هل أريد إيقاف فعل يحدث الآن؟

هل أريد منع تكراره؟

أم أريد معاقبة من أغضبني؟

التفريق هنا مهم جدا.

فقد يكون هؤلاء أشخاصا مارين لن تراهم مرة أخرى. فإذا توقف الضرر وانصرفوا، لا تكون هناك فائدة من مطاردتهم بالكلام أو جذب انتباههم إليك وإطالة الاحتكاك بهم.

ليس كل استفزاز يحتاج إلى جواب، وليست كل كلمة تحتاج إلى كلمة تقابلها.

أحيانا تكون قد ربحت الموقف بالفعل، لكن الغضب – ووهم البطولة عند البعض – يدفعك إلى الاستمرار حتى تخسره.

البشر في هذه الدنيا هم وقود مشاكلها، وهذا طبعها الأعوج، فلا تسمح لأحد بأن يجرك إلى المستنقعات!

تهديد

شاهدت مقطعا في تيك توك لرجل ضخم يهدد رجلا آخر أصغر منه، ويقول له ما معناه: بإمكاني أن أضربك الآن في هذه اللحظة إذا فتحت فمك أو قلت لا تستطيع فعل ذلك!

وكان الآخر يقول له إنه لا يريد شجارا ولا مشاكل، فليس بينهما تضارب، العافية خير من ذلك. ومع هذا ظل المتجبر المغرور مصرا على تحديه، كأنه رأى في تجنب صاحبه للشجار ترددا أو جبنا يجب استغلاله جيدا أمام المتفرجين.

والذي يغيظ ليس هذا وحده بل إن كثيرا من المعلقين سخروا من الرجل الذي جنح إلى السلم وتفادى العراك، وضحكوا مما ظنوه جبنا صادرا منه!

فماذا ربح كلاهما؟

ربح الأول، وقته وراحته، وقد لا يرى وجه الثاني العابس مرة أخرى.

وربح الآخر بعض التشجيع من بعض من يفكرون بطريقته الفاسدة، لكن قد يأتي اليوم الذي يقول فيه ذلك الكلام لمن هو أكثر منه تهورا، فيدخل معه في شجار قد يؤذيه في بدنه أو يجر عليه مشكلة كبيرة. لذا فهو في الحقيقة لم يربح شيئا.

الإنسان في النهاية مخلوق ضعيف، كثير من الحيوانات أقوى منه وأسرع وأضخم (الأسد والفهد والفيل)، فلماذا يتصرف بعض الناس وكأن التنمر على أمثالهم من البشر وإثبات القوة عليهم بطولة؟

المشكلة أن البعض قد يكون مستعدا لتعكير صفو الآخرين لمجرد إثبات قوته ونفسه، مع أن السلامة وراحة البال خير من ذلك كله. حفظنا الله من كل الشرور.

عندما تسمع صوت العاصفة

هناك لحظة يعرفها كل من شهد شجارا: ترتفع الأصوات، وتتسارع الكلمات، ويقترب الأشخاص بعضهم من بعض، وتبدأ الجمل القصيرة المشحونة ثم…

هذه ليست اللحظة المناسبة لإثبات القوة؛ لأن الضعف هو الأصل لا القوة، فيجب التواضع وتذكر هذه الحقيقة.

عندما تشعر أن الحوار دخل في هذه المرحلة، أبطئ كلامك، ولا تقل أول عبارة تخطر ببالك، ولا تقترب من الطرف الآخر لمجرد إظهار الشجاعة، ولا تجب عن كل استفزاز، وحاول إبقاء مسافة آمنة بينكما.

وإذا انتهى سبب المواجهة، فليكن إنهاء الحوار فورا هو القرار.

الانسحاب من شجار لا حاجة إليه ليس جبنا، بل هو القرار الحكيم.

توقف قبل الكلام، واجلس؛ لأن الشيطان قد يتلاعب بالطرفين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
فلا تكن الأضعف أمام غضبك.
خذ مهلة قصيرة عند تصاعد الانفعال، وتذكر أن الواحد في ذروة الغضب أكثر عرضة لقول ما يندم عليه لاحقا.

كما أن التنفس ببطء وتهدئة الاستثارة الجسدية قد يساعدان على استعادة السيطرة.

ضبط النفس لا يعني الخضوع

ينبغي ألا نفهم ضبط النفس على أنه قبول بالاعتداء.

إذا اعتدى شخص عليك أو على من أنت مسؤول عنه، فمن الطبيعي أن تحمي نفسك وأن تطلب المساعدة المناسبة بحسب خطورة الموقف.

لكن هناك فرقا بين الاستعداد للدفاع عن النفس وبين البحث عن المواجهة.

من المفيد أن يتعلم الإنسان مبادئ السلامة والدفاع عن النفس، والثقة في التصرف عند الخطر؛ فنحن نعيش في دنيا لا تخلو من المعتدين والمتنمرين.

لكن أفضل دفاع عن النفس هو الذي يجعلك أكثر قدرة على حماية نفسك، لا أكثر رغبة في اختبار قدرتك في كل خصومة، هذا من الرعونة، وهي للأسف كثيرة في البشر خاصة صغارهم وجهلتهم.

لذا من المهم التعود على الأذكار ودعاء الله سبحانه وتعالى أن يجنبه شياطين الإنس والجن ويبعدهم عنه، فهو وحده الحافظ منهم. حفظنا الله وإياكم من كل شر.

لا تجعل التحريض بين الناس يدخل إلى قلبك

وهناك خطر آخر ينبغي التنبه إليه، وهو خطابات الكراهية، هؤلاء يحرضون على هؤلاء!
عندما تنتشر خطابات تحاول إثارة فئة اجتماعية على أخرى بسبب اللون أو الأصل أو المكانة الاجتماعية من جاه وغنى، أو غير ذلك، ويصدر ذلك من بعض من يتصدرون الخطاب الحقوقي وبطريقة تحريضية.

وقد تؤثر هذه الخطابات في بعض الصغار والمراهقين والمحرومين والحاسدين، حتى يبدأ الواحد منهم بالنظر إلى أخيه باعتباره ممثلا لجماعة يناصبها العداء، لا فردا يحاسب على فعله وحده. فيكره من لا يعرف! وينظر إليه بحقد وهو لم يره من قبل!

إذا أساء إليك شخص، فالمسيء هو ذلك الشخص، لا قبيلته أو جنسه.
وإذا أحسن إليك آخر، فالمحسن هو ذلك الآخر.

لا ينبغي أن نحمل جماعة كاملة خطأ فرد، ولا أن نسمح لمن يعيش على الأحقاد وإثارتها بأن يجعلنا ننظر إلى الناس من خلال ألوانهم أو قبائلهم بدلا من أخلاقهم وأفعالهم.

وأفضل مقاومة لهذه الدعوات أن نعلم أبناءنا العدل والدين: لا يقبلون الظلم إذا وقع عليهم، ولا يظلمون غيرهم انتقاما من ظلم متخيل وقع على آخرين، أو حتى حقيقي وقع في الماضي؛ لأن ما فات مات، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
والسبب الحقيقي وراء مثل هذه الدعوات الشيطانية عند دعاتها هو التسلق السياسي المشؤوم!
أما عند أتباعهم ممن ينظرون إلى إخوانهم في الإسلام بأعين يتطاير منها الشرر، فالحسد والحقد، عجز عن جمع المال فحقد على جامعه وحسده.

سبع قواعد لضبط النفس في المواقف المشحونة

حين يقع موقف مشابه، حاول أن تتذكر هذه القواعد:

توقف لحظات قبل الكلام؛ لأن الكلمة التي لم تقلها تستطيع دائما أن تقولها، أما التي خرجت فقد يصعب استردادها.

حدد هدفك: أوقف الضرر أولا، ولا تحول إيقافه إلى معركة لإثبات الهيبة.

تكلم بحزم دون إهانة. قل ما تريد من الآخر أن يفعله بدلا من أن تصفه بما يغضبه.

لا تجب عن كل استفزاز. فسؤال مثل «ماذا ستفعل؟» قد يكون طعما لجر الموقف إلى مستوى آخر.

حافظ على المسافة، ولا تجعل حركة جسدك نفسها تهديدا إذا لم تكن هناك ضرورة.

إذا انتهى الخطر، اسمح للموقف أن ينتهي. لا تطارد نصرا إضافيا قد يحول النصر الأول إلى خسارة.

وبعد أن تهدأ، راجع نفسك: ما الذي فعلته جيدا؟ وما الكلمة التي كان يمكن الاستغناء عنها؟ فمراجعة الموقف تجعل التجربة تدريبا للمرة القادمة، بدلا من أن تصبح مجرد ذكرى مزعجة.

القوة التي تحتاج إلى حساب

الغضب ليس في ذاته عيبا. فهو استجابة إنسانية طبيعية، وقد يظهر عندما نشعر بالظلم أو التهديد. المشكلة تبدأ عندما نسمح له بأن يقرر نيابة عنا.

والغضب غير المنضبط قد يقود إلى سلوكيات خطرة ويضر بالعلاقات. كما أن «تفريغ» الغضب بالصراخ والعدوان ليس بالضرورة علاجا له، بل قد يزيد الغضب والعدوان.

ولعل أجمل قاعدة يمكن أن يضعها الإنسان لنفسه هي: لا تسأل عند الغضب: ماذا أستطيع أن أفعل؟ بل اسأل: ماذا أحتاج أن أفعل؟

قد تستطيع أن تسب، وأن تهدد، وأن تدخل في شجار، لكنك لا تحتاج إلى شيء من ذلك لكي تكون قويا.

ضبط النفس أفضل وأصعب، ولا يقدر عليه إلا القوياء فعلا. وهو ليس كبتا للكرامة، وإنما إدارة للقوة.

والإنسان القوي ليس من يخيف كل من أغضبه، بل من يستطيع، وسط الضجيج وارتفاع الأصوات واقتراب العاصفة، أن يبقى ممسكا بلسانه وعقله، وأن يختار من القوة القدر الذي يحتاج إليه الموقف، لا القدر الذي يطلبه الغضب ليشعل الموقف.

هذا هو الذي يخرج صاحبه منتصرا رابحا، لأنه ربح راحته ووقته وجهده، وتجنب ما لا فائدة فيه ولا في صاحبه.

Exit mobile version