من الواضح أن المرأة أتعبت الأولين، ولا تزال تتعب الآخرين. لكن العجيب أن الرجال، وهم الذين ملؤوا الدنيا حديثا عن القوة والعقل والحكمة، يفقد بعضهم معظم تلك الميزات أمام امرأة واحدة، فيذهب ما جمعه في خمسين سنة من الوقار، والثمن ابتسامة لا تبدو صفراء. ولا يبالي بمن يراه بعين النقص، بل يبتسم ويستمر في طريقه بلا مبالاة، كأن الحب جهاد. وقد يخطب بعضهم من هي في عمر حفيداته، وذلك مباح، ولكن أي نوع من الجهاد هذا؟
قد يعمل الرجل لسنوات ليجمع المال وينفقه على امرأة بين عشية وضحاها، كأنه ما خُلق إلا لها. وقد يبحث عن أفخم سيارة وأرفع رتبة لأجل أن تنظر إليه بعين الرضا. وقد يتحدث عن كرامة النفس والعزة والغنى عن الغير، فإذا دخل الهوى من الباب خرج ذلك كله من النافذة.
ولست أدري: أالمرأة هي التي تفعل بهم هذا، أم أنهم يفعلونه بأنفسهم ثم يحملونها المسؤولية بعد ذلك؟
كنت قديما، سنة 2011 أو قبل ذلك، قد كتبت مقالا ساخرا أسميته «مع النساء رجال أم كلاب؟»، وافتتحته بعبارة:
«ما أضعف الرجل عندما تقيده المرأة بضفيرتها».
وكنت أشد يومها، وأكثر استعدادا لتحميل المرأة أيضا شيئا من المسؤولية، لكنني بعد هذه السنوات أرى أن السؤال ربما يحتاج إلى قليل من التعديل: هل المرأة هي التي تذل الرجل، أم هو الذي يذل نفسه حين يستبد به هواه الطبيعي الذي لا تكبحه إلا الإرادة والعزيمة؟ فأين الإرادة والعزيمة؟
فيقدم كرامته ونفسه وماله على طبق من ذهب لتلك السيدة المحظوظة به إن كان غنيا أو نافعا. أرزاق.
فقد يكون بين أقرانه أسدا، خشن الصوت، شديد المراس، فإذا ظهرت أمامه امرأة تحول إلى عكس ذلك، وأصبح شاعرا أديبا رقيقا في النهار!
ينخفض صوته، ويلين طبعه، وينفرج وجهه، وينسى أهله وأبناءه إن كانوا موجودين! وتتفتح فيه فجأة مواهب الكلام الحلو العذب، والشعر والرواية.
وقد يتغنى بمحاسن ضاعفها الهوى في نفسه، ويقول في امرأة عادية ما لم يقله امرؤ القيس في امرأة غير عادية، وينفق عليها ما لم يكن مستعدا لإنفاقه على نفسه وولده وأهله، وينتظر الكلمة منها أو النظرة كما ينتظر من تاه في الصحراء قطرة مطر.
فهل فعلت المرأة كل ذلك؟
ربما هي بريئة، لم تفعل شيئا. مرت أمامه فقط، مثقلة بذلك الحسن والدلال، ففقد عقله.
فما أضعف الرجل عندما تقيده المرأة بضفيرتها. انظر حولك، كم من أسد مقيد بها.
كنت قد كتبت في المقال القديم أن الرجل قد يكون ذلك الوحش الثقيل الخشن الذي يضرب بقبضته كل من يرفع وجهه في وجهه، ويتعالى على الناس، ثم يذل ويصغر أمام المرأة التي يريدها، وتتحول قوته كلها إليها؛ فيقيده الهوى.
وقد ظننت أن هذا النوع من الرجال استثناء، لكن انظر في كلام الشعراء والأدباء والفلاسفة عن المرأة، تكاد تستيقن من أنهم كانوا من المعذبين في الأرض بسببها!
طالع موضوع: الماء والخضرة والوجه الحسن:
هنا.
الشعر العربي نفسه سجل طويل لرجال هزمهم طرف، أو هجر، أو كلمة، أو حتى شعرة بيضاء ظهرت في رؤوسهم.
قال أحدهم في ذم الهوى:
سبيل الهوى وعر … وحلو الهوى مر
وبرد الهوى حر … ويوم الهوى دهر
هذا عذاب!
وقال آخر، وقد اختصر القضية كلها:
أذلني الهوى فأنا الذليل … وليس إلى من أهوى سبيل
وقال ابن المعتز:
فظللت أطلب وصالها بتذلل … والشيب يغمزها أن لا تفعلي
وهنا تبلغ المسرحية ذروتها: الرجل يتذلل، والشيب نفسه يدخل المعركة إلى جانب المرأة ويقول لها: لا تفعلي!
حين يدخل الهوى يخرج الوقار
ليس حب النساء في ذاته مشكلة، ولا الحب نفسه مشكلة؛ فالإنسان يحب ويشتاق، وقد تخف عليه المسافات حين يقصد من يحب.
قال أحدهم:
وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها … أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
وقال آخر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلبا خاليا فتمكنا
وقال جميل بثينة:
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل … إلى اليوم ينمي حبها ويزيد
هذه أحوال مفهومة. الإنسان إذا أحب رأى ما لا يراه غيره، وأحيانا يرى الموجود أكبر من حجمه، وأحيانا يرى أشياء لا وجود لها أصلا.
ويروى أن كُثيّرا دخل على أحد الخلفاء، وكان قصيرا ضئيلا، فتعجب الخليفة من أن هذا الرجل هو صاحب الأشعار العظيمة في عزة. وكان قد رأى عزة من قبل فلم يجدها مفرطة في الجمال، فقال لكُثيّر:
«ما الذي رأته عزة منك حتى عشقتك؟ وما الذي رأيته فيها حتى شغفت بها؟»
فرد عليه:
«يا أمير المؤمنين، كل عند صاحبه حلو مقبول».
ويقول كُثيّر عزة:
لو أن عزة حاكمت شمس الضحى … في الحسن عند موفق لقضى لها
فهل تبدأ المشكلة عندما يسمح الواحد منهم للحب بأن يلغي بقية شخصيته؟
رأينا من كاد وقته كله ينقضي في الاستماع لأسطوانات الحب!
فمن أحق: الناقد أم المنتقَد؟
أيهما الرابح في النهاية؟
وهل هو طبع أم نوع آخر من الغباء؟
هناك فرق بين رجل يحب امرأة وبين رجل أصبح مشروع خدمات متكاملة لها، وقطعا سيصبح كذلك إن لم يكن بخيلا: سائق عند الحاجة، وممول عند الضرورة، وشاعر في الليل، ومعتذر في النهار، ومستعد للاعتذار في أي لحظة عن خطأ لا يعرف بعد ما هو.
حياته كلها تلك المرأة، وربما الأسوأ أن تنجح في إبعاده عن كل من يحبه سواها ممن لا تحبهم هي!
أو لعله يرى أن معه الحق في فعل ما شاء، فهي حياته ودنياه، لا الآخرون الذين يحبونه. لذا عندما يفوز أمثال هؤلاء، وحتى غيرهم، بامرأة، ينسون كل ما له علاقة بعالمهم القديم، ويقولون لذلك العالم: باي باي.
«سوق أنسا سوق مطيار، يا الداخلو رد بالك، يوريولك ربح قنطار ويديولك راس مالك».
أي أن الداخل إلى «سوق النساء» يرى أمامه الربح قنطارا، ثم قد يخرج منه وقد ذهب رأس ماله.
وليس المقصود أن المرأة لا هم لها إلا نهب رأس مال الرجل، فقد يكون المسكين هو الذي دخل السوق ورمى محفظته على الطاولة قبل أن يطلبها منه أحد، ليثبت نفسه… وحبه.
السيارة ليست دائما لقضاء الحوائج وحدها!
تأمل فيما يقتنيه بعض الرجال.
سيارة فخمة يكفيه ما دونها، ليقال: انظروا، هذا فلان وسيارته، وتلمع بعض الأعين تحت بعض الملاحف.
هاتف أغلى مما يحتاج إليه.
ساعة لا تعطيه دقيقة واحدة زيادة على ساعة رخيصة لا تكلف شيئا.
عطر بالآلاف…
ثياب ينبغي أن يرى اسم صانعها من الشارع المقابل.
مطعم يدفع فيه ما يكفي لطعام أسرة، ثم يعود إلى البيت جائعا، وربما كان ما أنفقه جزءا كبيرا من رأس ماله، وهذا كثير!
وليست النساء سببا في كل هذا طبعا، لكن سيكون من المجاملة الزائدة أن ننكر أن المرأة تدخل أحيانا في الحساب.
وقد لا يريد الرجل سيارة فارهة بقدر ما يريد من يشاهدها.
وقد يستدين سنوات حتى تلتفت إليه امرأة.
وفي كتب الأدب إشارات ساخرة إلى اقتران بعض هذه المطالب بالمال، ومنها قولهم:
«من طمع في الغضة البضة بغير الذهب والفضة فقد خدع نفسه».
وفي المقابل، لدينا رجال لا يرون من المرأة إلا جمالها، كما توجد نساء قد لا يرين في الرجل إلا ماله. وهذان الصنفان أحق بأكثر النقد المذكور هنا، لكن هل ذلك طبع في المرأة؟
كل من حصر الإنسان الآخر في جسده أو محفظته فقد حول العلاقة إلى سوق.
ومن أطرف ما وجدته وأنا أجمع الأقوال أن كثيرا من الرجال يكتبون عن النساء كأنهم عادوا من حرب لا ترحم.
يقول قائل:
«لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب، ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغدا مع غيرك، ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغدا لغيرك».
ويقول آخر:
لا تركنن إلى النساء … ولا تثق بعهودهن
وتقرأ الكلام فتقول: ما أعظم خبرة هذا الحكيم!
ثم يخطر لك سؤال غير موجود في الحاشية:
ماذا فعلت به المرأة قبل أن يقول هذا؟
فالحكمة ليست دائما ثمرة تأمل بارد. لكنها ممتعة ومثيرة ومضحكة أحيانا، فهل يكفي ذلك؟
هل تكفي كلمة الحب حتى لا نرى في العالم غير أفلامه ومسلسلاته وأغانيه وقصصه ومسرحياته؟
وكثير من الناس يهيمون في متاهاته!
فهل أنت واحد منهم؟
إن كنت شجاعا فعلّق على ذلك.
قد تكون وراء تلك المقولة الحكيمة، أو ذلك البيت الشعري الرائع، ندبة قديمة كتبت نفسها في صورة حكمة بعد أن عذبت صاحبها دهرا.
قد يكون ما نسميه «الحكمة التي يكتبها الرجال في النساء» في بعض الأحيان محاضر هزائم كتبها الطرف المهزوم وحده، ولم نأخذ فيها رأي المنتصرة.
الإنسان حين يحب قد يرفع امرأة واحدة فوق نساء الأرض، فإذا هجرته خفض نساء الأرض جميعا بسبب امرأة واحدة.
وفي الحالين الحساب غير صحيح.
والأطرف أن الرجال أنفسهم الذين يحذروننا من الحب كتبوا:
من عاش في الدنيا بغير حبيب … فحياته فيها حياة غريب
وكتبوا:
ولا خير في الدنيا بغير صبابة … ولا في نعيم ليس فيه حبيب
إذا لم تذق في هذه الدار صبوة … فموتك فيها والحياة سواء
فأي الفريقين تصدق؟
ربما الفريقان معا.
إذا وجد أحدهم الحب قال: الحياة لا تساوي شيئا بلا حبيب.
وإذا هجرته محبوبته قال: اعص هواك والنساء وافعل ما شئت.
وهكذا تتحول الحالة النفسية عند الإنسان إلى فلسفة كونية، وثرثرة مستمرة حتى يومنا هذا في الحب والنساء والزواج والطلاق والتسدار.
حتى الشيب دخل المعركة!
يأتي في منتصف الطريق خصم لم ينتبه إليه العاشق في أول الطريق.
الزمن.
فيبدأ في صبغ شعره لإخفاء الشيب!
والخجل منه أمام الغواني أمر ثقيل!
بعد أن كان الواحد شابا مرغوبا، أصبحن ينادينه: يا عم، ويا خال، بل يا أبتاه!
وفي كتب الأدب باب كامل تقريبا لشكوى الرجال من الشيب حين ظهر فأفسد عليهم شيئا من حظهم عند النساء.
قال ابن المعتز:
قالت كبرت وشبت قلت لها … هذا غبار وقائع الدهر
أراد أن يقنعها بأن الشيب ليس شيبا، وإنما هو غبار المعارك.
حجة جميلة.
لكن يبدو أنها لم تقتنع.
وقال ابن المعتز أيضا:
فظللت أطلب وصالها بتذلل … والشيب يغمزها أن لا تفعلي
وقال العتبي:
رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي … فأعرضن عني بالخدود النواضر
وقال علقمة الفحل، مقدما نفسه طبيبا متخصصا:
فإن تسألوني بالنساء فإنني … بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله … فليس له من ودهن نصيب
جمع الرجل في بيت واحد مصيبتين: شاب الرأس وقل المال.
ما بقي إلا معجزة تريه أسنان محبة تضحك له.
لذا تزوج في شبابك قبل أن يفوتك القطار، إن كنت قليل المال!
وقال ابن طباطبا، محاولا إخفاء الشيب:
قالت أراك خضبت الشيب قلت لها … سترته عنك يا سمعي ويا بصري
فاستضحكت ثم قالت من تعجبها … تكاثر الغش حتى صار في الشعر
وهو غش فعلا.
فهل الصابغون غشاشون؟
بدأ الرجل بالغزل وانتهى الأمر بالغش التجاري.
كن لطيفا… ولكن لا تتحول إلى ممسحة
يقال للرجل اليوم: كن لطيفا معها، استمع إليها، امدحها، اهتم بها. كن جنتلمان. تلك الكلمة التي تبرر التذلل لهن أحيانا، وتزينه وتجمله، وتضفي عليه المصداقية. وقد تكون مشهورة في العالم الغربي، وحتى العربي والإفريقي!
والكهول يقولون للشباب: استمتعوا بحياتكم قبل فوات الأوان الذي فاتهم!
حسرات تتبعها حسرات، وظلمات وراءها ظلمات.
هذا كله حسن إذا كان منبعه الصدق وفي موضعه، فالفظاظة ليست رجولة.
«من طلب ما عند النساء بالغلظة لا يزداد منهن إلا بعدا».
لكن هناك مسافة كبيرة بين اللطف وإلغاء الكرامة.
احترمها.
نعم.
أحسن صحبتها.
بالتأكيد.
أكرمها إن كانت زوجة أو من أهل بيتك.
هذا من المروءة والدين.
لكن أن يتحول الرجل إلى موافق على كل شيء، ويهدر وقته وماله، ويختلق صفات لا يملكها، ويرتمي تحت أقدام من لا تريده، ولا يكل ولا يمل من مطاردتها، فذلك لا يمكن أن يسمى «لطفا»…
تلك وظيفة أخرى.
والأعجب أن كثيرا من التملق العاطفي معروف بأنه كذب للطرفين!
وهذا من أعجب ما في هذه الحكاية!
فهو يعرف أنه يبالغ.
وهي تعرف أنه يبالغ.
ومن يتابعهما يعرف أنهما يبالغان!
يقول لها:
لم أر امرأة مثلك في حياتي.
وقد قال العبارة نفسها قبل سنوات، وربما سيقولها قريبا لغيرها.
ولا ألوم المرأة على قبول المديح؛ فمن منا يكره كلمة حسنة، ولا سيما هي؟
المشكلة تبدأ حين ينسى المتملق بعد دقائق أنه كان يبالغ، ويبدأ هو نفسه في تصديق النص.
ليست المرأة دائما هي المتهمة، بل ربما هي ضحية.
وهنا ينبغي أن نكون منصفين.
من السهل أن نجمع عشرين بيتا في ذم النساء، ثم نقدم الرجل كأنه كائن حكيم بريء، ونصور المرأة كأنها تجلس خلف صخرة متربصة تنتظر الفرصة لإفساد حياته.
الصورة ليست كذلك.
الرجل شريك كامل.
هو الذي أحب.
وهو الذي بالغ.
وهو الذي أنفق.
وهو الذي طارد بغير هوادة.
وهو الذي ادعى ما ليس فيه.
وهو الذي قد يرى علامات واضحة على أنها لا تريده، فيكذب عينيه ويقول لنفسه:
إنها تختبر صبري.
وقد يقول إن المهم هو الحصول عليها، وإن الحب سيأتي بعد الزواج، أو يحاول الحصول عليها بالمال وغيره.
لا يا عاشق الوهم.
هي لا تريدك فقط، فدعها؛ فذلك خير لك ولها.
لا تكن كذلك الذي وقف عليّ بعد تعرفي إلى صديقة جديدة، فأخذني جانبا وقال: «اتركها لي، فأنا متيم بها»، حتى أقبلت تصرخ فيه: «لا أريدك يا أخي، فانصرف!».
كنا شبابا صغارا، وكانت قصصا من المراهقة، لكنها تثبت وجود بعض من لا يحسبون للعواقب حسابا.
غادرت ولم أرجع، فليتني رجعت، وليتني تزوجت بها، أو بغيرها ممن سنحت لي فرص جميلة للزواج بهن على براءة وطهارة! لكننا كنا نلعب، واستمر اللعب طويلا. عافانا الله وإياكم من كل زلل وسوء.
ربما أصبحت زوجته. من يدري؟ وعلى كل حال أتمنى للاثنين كل الخير.
وقد كان في بعض كتب الأدب وصف طويل لعلامات إعراض المرأة عن الرجل، ثم كانت النصيحة العملية في النهاية ألا يطمع في مودتها وأن يخلي سبيلها.
ولو عمل بعض العشاق بهذه النصيحة لارتاحوا.
ليس مطلوبا منك أن تقنع كل من أحببت بحبك.
ولا تستطيع أن تجبر إنسانا على أن يحبك.
وإذا لم يكن وفاق، ففراق.
هذه العبارة القصيرة توفر على الناس كثيرا من التحقيقات الليلية، ومراجعة الهواتف، والأسئلة من نوع:
لماذا تأخرت ثلاث دقائق في الرد؟
من وضع الإعجاب؟
ومن هذا الذي كتب لك؟
ولماذا ضحكت؟
الحب الذي يحتاج إلى إدارة أمنية طوال أربع وعشرين ساعة ليس حبا، وليس راحة لأي من الطرفين.
والغيرة إذا تحولت إلى تملك ومراقبة قد تخرب العلاقة، سواء صدرت من الرجل أو المرأة.
وقد تدفع الغيرة أيًّا من الطرفين إلى تصرفات مؤذية.
وقد يصبح الغيور مكروها من إلفه، وذلك أحد أسباب اشتعال النار فيه، لأنه لا يثق في إلفه ولا في نفسه.
فما المتوقع من علاقة مبنية على ثقة معدومة؟
الغلظة ليست حلا.
والكلام الفظ لا يثمر غير الشوك.
قد يقول رجل:
لن أتذلل للنساء. إما أن أكون شديدا معهن أو لا مباليا.
فيخرج من حفرة ويدخل في أخرى.
المرأة لا تحترم الرجل الفظ، والرجل لا يحفظ كرامته بإهانة المرأة.
والقلوب لا تفتح بالقوة، بل بالرفق والمودة.
وتجاهل الرجل للمرأة، أو المبالغة في ادعاء الاستغناء عنها، لا يعني دائمًا أنه استغنى فعلًا؛ فقد تدفعه الحاجة لاحقًا إلى اختيارات لم يكن ليرضاها في شبابه.
ولهذا أعجبتني كلمة الحسن البصري حين سأله رجل عمن يزوج ابنته، فقال:
«زوجها بمن يتقي الله عز وجل؛ فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها».
هذا أعمق من كثير من كتب العلاقات الحديثة.
لم يجعل دوام الحب ضمانا، لأن الحب نفسه قد يتغير.
الضمان هو الخلق الذي يمنع الإنسان من الظلم حتى إذا ذهب الحب.
والمؤانسة التي هي أجمل شيء!
عندما تجلس وحيدا بجانب حاسوبك الممل، لا تكلم أحدا ساعات أو أياما، ستعرف قيمة أن يجلس معك من يؤنسك بوجوده وكلامه. وقد تقوم بهذا المرأة على أكمل وجه، ويقوم به الصديق المحب؛ وهذان لا بد منهما، فإن غابا غاب شيء كثير.
ما أجمل الجلوس مع الناس، وتبادل الحديث والتعارف والاهتمام المتبادل. هذه هي الحياة، وهذه الخصلة يبعدنا عنها الواقع الرقمي المتمثل في الهواتف والحواسيب، حتى كدنا نتحول إلى رقميين بدورنا، فهل الدور علينا بعد النقود التي يعملون على تحويلها إلى رقمية؟
ليس كل حب مذلة
لا أريد أن ينتهي القارئ إلى أن الحب عيب، أو أن الاستغناء عن النساء بطولة.
هذا أيضا لون من خداع النفس.
فالإنسان يحتاج إلى الأنس والمحبة، والزواج والمودة من نعم الحياة، وليس العيب أن يحب الرجل امرأة أو أن يحبها كثيرا.
العيب أن يتحول الحب إلى إذلال للنفس، أو إلى باب للحرام، أو إلى مبرر للكذب والخيانة والغش وأكل المال وإضاعة العمر.
والمرأة الطيبة، جميلة كانت أو لم تكن في أعين الناس، تستحق كل خير إذا صفت روحها وكان خلقها حسنا، وهي للرجل بألف رجل. فلا بد منها، كما لا بد لها من رجل. وهذه سنة الحياة.
والسكن والمودة والمعاملة بإحسان من أسس تلك الحياة الجميلة الناجحة التي تغني عن الحرام، وذلك من أعظم ما في الزواج.
وفي مجموعتي أبيات أحب معناها:
كم قد ظفرت بمن أهوى يمنعني … منه الحياء وخوف الله والحذر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم … وليس لي في حرام منهن وطر
وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني … منه الفكاهة والتأنيس والنظر
كفاك الحب لا إتيان معصية … لا خير في لذة من بعدها سقر
وقيل أيضا:
ما إن دعاني الهوى لفاحشة … إلا نهاني الحياء والكرم
فلا إلى فاحش مددت يدي … ولا مشت بي لزلة قدم
وهذا فرق يستحق أن يبقى واضحا.
يمكن للإنسان أن يحب ولا يصبح عبدا لهواه.
ويمكن أن يعجبه الجمال ولا يشتريه بالحرام.
ويمكن أن يلين لمن يحب من غير أن يهدر كرامته.
ويمكن أن يحزن إذا فاته محبوب من غير أن تتحول حياته إلى جحيم بسبب ذلك الفوات.
مع النساء رجال أم كلاب؟
هنا أعود إلى عنوان المقال القديم.
كنت أقصد يومها صورة الرجل الذي يركض خلف ما يشتهيه ولا يسأل إلى أين يقوده الركض، فإذا صدته المرأة ازداد مطاردة لها أو لغيرها، وإذا أهانته تخيل أن الإهانة دليل اهتمام، وإذا استنزفته رأى في ذلك تضحية عظيمة منه يستحق ثمنا لها.
واليوم لا أحب أن أصف الرجال بالكلاب، فقد ظلمنا الحيوان أيضا حين جعلنا اسمه شتيمة.
ولا أقول إن كل الرجال يفقدون عقولهم مع النساء، كما لا أقول إن النساء جميعا يصنعن ذلك بهم.
لكنني ما زلت أرى أن بعض الرجال إذا أعجبته امرأة انقلب مشروع حياته كله إلى سؤال واحد:
كيف أصل إليها؟
لا بد من الحصول على مال من أجلها، ولو بأبعد الطرق عن الصواب والتقوى.
لا بد من سيارة فخمة من أجلها.
وثياب مميزة.
لا بد من التخلي عن كل من أعرف لأجل سواد عيونها.
ثم إذا وصل، يسأل نفسه:
ثم ماذا؟
وربما يبحث هذا النوع من الرجال عن امرأة أخرى.
وقد يجد زوجة صالحة وحياة جميلة، فيكون قد ظفر بالخير كله، لكنه لا يقنع بما عنده.
وقد يكتشف أن ما كان يراه من بعيد قمرا هو، من قريب، إنسان عادي مثل كل البشر: يغضب، ويخطئ، ويتعب، ويمل، وله حسناته وعيوبه.
والمشكلة ليست في اكتشاف ذلك، بل في أن يكون قد دفع في الطريق ثمنا لا تستحقه أي غاية: دينه، أو كرامته، أو راحته، أو مالا حراما، أو سنوات لا تعود.
أو خان وغش بعد الحصول على زوجة كريمة محترمة لا تستحق ذلك، بل تستحق كل إكرام.
لهذا ربما لم تكن المشكلة في المرأة، ولا في حب النساء، وإنما في الهوى حين يصبح سيدًا متبوعًا.
فمن أحب وحافظ على طبيعته وبراءته وعقله وكرامته لم يضره الحب، ولو لم يظفر بما يريد كان في ذلك كل الخير.
ومن ابتغى وصالا بكل الطرق، وجعل وقته وكرامته وأمانته مهرا لنظرة، فلا يحمل الطرف الآخر وحده مسؤولية ما صنع بنفسه.
والحكيم ليس من لا يحب؛ فالقلب لا يستأذن صاحبه دائما.
إنما الحكيم من يحب، ولا يصبح شخصا آخر لا يعرف نفسه إذا وقف أمام المرآة؛ شخصا أنانيا ماديا لا يرى إلا شهواته.
العاقل المتقي إن أحب امرأة أكرمها.
وإن أحبته حفظ مودتها.
والزواج بها من أجمل متاع الدنيا.
وأخيرا، إذا كان بعض العشاق يؤمنون بأن الغاية تبرر الوسيلة، فقبل أن ينفق أحدهم دينه وعقله وماله وكرامته من أجل الوصول، فليسأل نفسه سؤالا صغيرا:
ماذا بعد الوصول؟
مقتطفات من مقال 2011
عنوانه: مع النساء رجال أم كلاب؟
هذه مقتطفات من فكرته وصوره بعد تهذيب بعض عباراته.
قد يكون الرجل بين أقرانه ذلك الوحش الخشن شديد المراس، ثم يتحول بمجرد إحساسه بقرب امرأة يريدها إلى رجل آخر؛ يلين صوته، وينبسط وجهه، وتتطاير من فمه عبارات الإعجاب بلا هوادة.
وقد يتغنى بمحاسن ضاعفها الهوى في عينيه، حتى يبدو له ما لا يراه غيره.
يعرف الرجال أهمية وجود المرأة في عوالمهم القاحلة، ويعرفون سحر الأنس بها ودلالها، ولذلك كان الهوى من أغرب ميادين تناوب الغلبة بين اللين والقوة، وبين الرصاص والقُبَل.
ملوكا كانوا أم عامة، أقوياء أم ضعفاء، لا تمنع المكانة صاحبها دائما من أن يصبح في حضرة من يحب أكثر رقة مما يعرفه الناس عنه.
وقد ينتظر الرجل كلمة منها أو نظرة انتظار سكان الصحراء لقطرة مطر.
الرجل الذي يكون أسدا بين أقرانه قد يصبح حملا وديعا أمام المرأة التي يريدها.
كم من شجاع جبن عن النظر في عيني امرأة يحبها، وكم من قوي أضعفه الهوى أكثر مما أضعفه خصومه.
قد يتحول الصوت الخشن إلى صوت رقيق، والوجه العابس إلى وجه مشرق، وكأن الرجل يكتشف شخصية أخرى مختبئة فيه.
عند بعض الرجال تضيع الكرامة والراحة حين يتحول التودد إلى تذلل، والرغبة إلى مطاردة لا نهاية لها، والحب إلى تسليم كامل للنفس والمال والوقت.
إذا أصبح الهوى سيدا لا يشبعه مال ولا جمال ولا وصول؛ لأن مشكلته لم تعد في المرأة التي يريدها، بل في النفس التي لا تعرف متى تكتفي.
والتسدار عندنا يطلق على المبالغة في حب النساء والتجول بحثا عنهن، وقد يصبح عند بعض الناس عادة، ومعناه الأصلي: التجول.
