رواية فرسان الظلام

مدخل إلى القصة

قصة فرسان الظلام، قصة خيالية دعوية للشباب والمراهقين الكبار. أبطالها شخصيات من الواقع والخيال. مشروع ساخر، بدأته منذ مدة، تجري أحداثه في عوالم من الخيال العلمي الكاذب.. اقترحتها منذ سنين، على أعضاء منتدى ستار تايمز الشهير، فتقبلوها مشكورين، وحصل تجاوب من طرفهم بين مشجع وحاجز لمكان بين الأبطال.
يمكنكم فعل ذلك في هذه الصفحة. ضع اسمك في تعليق – أو لقبك، ليتم اعتماده في القصة.
عنوان القصة “الأقاليم السبعة”، وهذا هو الجزء الأول منها: “إقليم الظلام”.

زودنا بمعلومات حول شخصيتك الحقيقية أو الخيالية التي تتمنى أن تكون عليها، ومذهبك إن شئت. ولك الحق في عرض وجهة نظرك في دورك والمشاركة في الكتابة.

الأبطال

محسن Mohsin: من موريتانيا وأصله من مصر / قائد الرحلة / من قصص المغامرون الثلاثة. ذكي قيادي غير مقاتل.
نور الدين محمود Nour Edin Mahmoud: من مصر / المساعد الأول للقائد/ من كوكب ملف المستقبل. ذكي قيادي متخصص في الخيال العلمي وألغازه، مقاتل.
أدهم صبري Adham Sabri: من مصر / المساعد الثاني / من كوكب رجل المستحيل. ذكي قيادي متخصص في القتال.
شَوْشَحْ Shoshah Offside: من الجزائر / لاعب كرة / شخصية طريفة من التيكتوك. غير ذكي. غير مقاتل.
نجلاء Najla: من المغرب / زميلة من تطوان.

رواية فرسان الظلام


الجزء الأول: إقليم الظلام


الفصل الأول: آلة الزمن


الرحلة

كان يوماً عظيماً من صيف 2077، كيف لا وهو يوم التجربة الكبرى، تجربة آلة الزمن، وفي الهواء الطلق!
فبعد سنوات من الاختراعات المحمومة والتجارب التي أفرغت حسابه البنكي وأزعجت جيرانه بالروائح الكريهة والإنفجارات، حقق الدكتور “محسن” ما لم يحققه أو حتى يصدقه غيره… نجح في تحويل الخيال العلمي السينمائي إلى واقع معاش. صنع آلة الزمن التي تشبه خلاط مطبخٍ تم التلاعب بعناصره. مؤكدا للجميع أن التاريخ سيُكتب بيده.

كانت الفكرة في البداية مجرد فكرة سينمائية عابرة، لكن، بفضل عقليته المبدعة، تحولت إلى حقيقة ملموسة يمكنها نقل المسافرين عبر الزمن! فتجسدت الآلة بمساعدة البطلين نور الدين محمود وأدهم صبري. آلة معدنية تشبه الخنفساء، بقرون استشعار مضحكة وأزرار تومض بلا سبب، وأصوات غريبة، مصنوعة من سبائك نادرة، ومزودة بنظام ذكي يحسب الزمن بثلاثة أبعاد، أشبه بعقل إلكتروني مستقل.

لم يكن الدكتور أول من أطلق عليها اسم “آلة الزمن”. بل سبقه إلى ذلك الكثير من الكذابين؛ من كُتّاب ومخرجين من حقبة “حضارة أمريكا البائدة” منذ عقود، تلك الحضارة التي كادت تحوّل البشرية إلى مجموعة من المخنثين والكسالى والمجرمين، لولا انقلاب سحرها عليها، وغرقها في فوضى المظاهرات الديمقراطية التي خربت بها العديد من دول الآمنين.

وُضعت الآلة على سرير فخم من الأبنوس، مرصع بالجواهر والياقوت كأنها عروس في ليلة الزفاف. وأحاط بها مئات من رجال الأمن المدججين بالأسلحة، لحمايتها من اللصوص والجواسيس، وأيضًا من المتفرجين الفضوليين اللئام الذين لو خلا أحدهم بأستار الكعبة لسرقها.
كان عمل رجال الشرطة أكثر انشغالًا من المعتاد، وهم يوزعون الركلات العشوائية على مؤخرات الفضوليين، في استعراض مبالغ فيه للقوة جعل المتفرجين يتساءلون: “هل عدنا إلى زمن الدكتاتورية؟”.

لم يعد لحقوق الإنسان معنى في ذلك الزمن، فقد اختفى شعار “تقديس الجميع حتى الشياطين”، وحل محله شعار: “إذا كنت صالحا ستحترم، أما إذا كنت طالحا فخذ على قفاك”، فاختفى أهل البدع والشواذ، واندثر السياسيون المتاجرون بكل شيء حتى الدين والبشر لأجل مصالحهم الأنانية الضيقة، وعادت الدكتاتورية مباركة انطلاقا من تمسكها بالحق والعدل، ولو كره الجاحدون.
وفي السماء… حلق سرب من طائرات RIM 265 الليزرية النبقية السدرية النواشكوطية، مصدرا أصواتًا كأنها صفارات إنذار من المستقبل، لتأمين الانطلاقة الميمونة للآلة. باعثة برسالة صامتة مفادها: “نواشكوط هي الأقوى، رغما عن أنوف القرآء”.

رواية فرسان الظلام

كان الجميع في انتظار وصول رواد الرحلة على أحر من الجمر، ولكن مع طول الانتظار إلى حد الملل والتأفف، بدأ البعض في البصق على صور الآلة المنتشرة في المكان كأنها مصدر المشاكل الوحيد.

ثم أخيرًا، وصلت طائرة نفاثة من نوع RIM 260 تحمل اثنين من الرواد، وسط هتافات مختلطة بين التشجيع والسخرية. كانت الساعة تشير إلى الرابعة مساءً حين اندفع الصحفيون والجمهور باتجاههما.
سأل أحد الصحفيين بعفوية:
هل ستبقى الآلة على حالتها المادية عند بدء الرحلة أم ستتبخر في الهواء؟
توقف القائد للحظة، وهو يعدل ربطة عنقه بتوتر بدا وكأن السؤال يخنقه:
اللعنة على ربطة العنق الأمريكية البغيضة. أقسم أن الدراعة والجلابية أفضل من كل ملابسهم. أقسم أن أجدادنا كانوا أعقل وأقرب إلى البشر منهم. ما الذي تفعله ربطة عنق الكلب هذه عندنا؟ ليست ثيابهم اندثرت مع حضارتهم البائسة.
همس الصحفي خشية أن يسمعه مدير سياسة القناة الإعلامية التجارية اللاإنسانية:
اطمئن، ستندثر قريبا، الأمر مجرد وقت فقط.
توقف قليلاً، ونظر إليه بابتسامة مصطنعة:
معك حق، أما بخصوص سؤالك اللئيم، فإن الآلة ستتمدد ثم تنكمش، ثم تتجزأ وتتفكك، ثم تتحول إلى حزمة من الضوء… و.. هوب.. تتلاشى.
تمتم الصحفي:
اللعنة.

تردد سؤال آخر، بصوت بدا وكأنه يحمل مزيجًا من القلق والسخرية:
هل قمتم بتجربة الآلة قبل المخاطرة بحياتكم؟
أشار شوشح نحو القائد بإصبعه قائلا بحماس:
لقد طلبنا منه ألف مرة أن يجربها على فأر مثل كل التجارب، ولكنه رفض. قال إنه يخشى على أسلاك الآلة منه.
انفجر الجمهور ضاحكًا، بينما مسح القائد عرقه المتصبب حرجا، ووكز شوشح بمرفقه وكزة قوية، وهمس من تحت أسنانه وهو يرسم ابتسامة مصطنعة:
فضحتنا أيها الغبي.

رواية فرسان الظلام

هتف أحد الحضور:
ما هي سرعة الآلة؟
رد القائد بنبرة تجمع بين الجدية والفخر:
تعادل سرعتي الضوء والظلام معًا، يعني مسافة شهر في الثانية تقريبا.
صاح آخر، وقد بدا عليه الفضول:
هل ستسافرون وحدكم؟
قبل أن يجيب القائد، تدخل شوشح ساخرًا:
إلا إذا كنت ترغب في مرافقتنا.
ضحك الجميع، لكن السائل تابع بإصرار:
أقصد هل أنتم عزّاب لتتخلوا عن عش الزوجية بهذه السهولة؟ لم نر مع أي منكم زوجته؟
أجاب شوشح بابتسامة ساخرة:
عملنا أهم من الزواج وقصص الحب التافهة.
سأل آخر:
هل أنتم متزوجون أصلا؟
هتف شوشح بحدة:
اللعنة. لا نريد نسائكم الساحرات الثقيلات، المستقبل عامر بنساء أجمل وأعقل وأكثر دينا…
صاح الصحفي:
ماذا تقصد بساحرات؟
اسأل صاحبتك كيف تضعك تحت فخذها مثل المخدة، وستعرف. إن كانت لديك صاحبة أصلا.
هم الصحفي بالزعيق احتجاجا على الإهانة، لكن القائد تدخل ليعيد الحوار إلى مساره الجاد:
سيرافقنا الدكتور نور الدين محمود، الحاصل على الدكتوراه المربعة في العلوم المكعبة من جامعة نبيل فاروق الخيال علمية. وهو متخصص في حل الألغاز العلمية وغير العلمية.

ارتفعت همسات الإعجاب بين الجمهور.. نور الدين محمود معكم.. علق أحد الجهلة بملف المستقبل ضاحكًا:
العلوم المكعبة؟ هل تعني أنه كان يدرس الكعك والحلويات أيضًا؟
رد عليه أحد محبي السلسة:
غير علمي بالمرة، ونكتتك مكعبة مثل رأسك.

رواية فرسان الظلام

استطرد القائد:
سيرافقنا أيضا عالم الرياضات البدنية والقتالية البطل الهمام “أدهم صبري” الذي تربى في تِرع الصعيد وحواري المحروسة بين البلطجية الأغبياء، لحمايتنا بمهاراته القتالية التي لا تبارى..

تعالت الهمسات:
أدهم.. الدابة؟! كم عُذب ذلك المخلوق في مخابرات العدو!! غير معقول. لقد حقنوه بالكوكايين ونزعوا أظافره وأسنانه بالكلالايب، ونتفوا شعره، ومع ذلك بقي صامدا!!
يقال إنه ذكي جدا..
قوي كالحمار، نعم، لكن ذكي، لا.. نور أذكى..
كذبت يا حسود..
ستثبت لك القصة صحة كلامي..
أي قصة؟ هذه؟!!

رواية فرسان الظلام

هتف القائد بحماس:
معنا أيضًا العالمة الفذة، صاحبة العقل النير والبراعة الفريدة، المتخصصة في الطبخ والكنس، الجميلة التي لا يشقى بها زوج، والتي لم تتزوج حتى الآن.. العانس الفاضلة “نجلاء”!
أضاف، وقد زاد من حماسته:
صاحبة نظرية “القذارة العطرية”، المستخلصة من مزيج الغبار النووي ودقيق القمح وقشور البصل. النظرية التي اكتشفتها أثناء كنسها لمركز الأبحاث العلمية العلوية والسفلية في “تطوان”.
أشار إلى نجلاء التي كانت تقف بجواره مبتسمة بفخر، وأكمل:
أهم أدوارها في هذه الرحلة هو تجهيز الطعام اللذيذ الذي سيذكره التاريخ، وتنظيف الآلة التي نرجو ألا تنفجر بنا في بحر الزمن الملغوم، إضافة إلى دراسة المخلوقات الدقيقة وضخمة، التي قد تصادفنا.
صاح أحد الحاضرين ساخرا:
هل يستطيع رذاذ “القذارة العطرية” القضاء الكائنات المجهرية الزمنية التي ستحاول قذفكم خارج مجرى الزمن؟
انفجر الجميع ضاحكون، بينما رفعت نجلاء يدها قائلة بثقة:
طالما لدينا مخزون من قشور البصل، لا شيء يستحيل!

رواية فرسان الظلام

في تلك اللحظة، شقت طائرة هليكوبتر السماء، تحمل بقية العلماء في مشهد بدا كأنه مقتبس من فيلم أكشن بميزانية غير محدودة.

ظهر أدهم صبري أولاً، وهو يمارس حركاتة كأنه يستعد لمبارزة كائنات فضائية. تبعه نور، الذي كان يسير بخطوات واثقة، يمسك بلوح حساباته الليزري المعقد. أما نجلاء، فقد خرجت من الطائرة وهي تحمل مكنستها الذهبية، تتأمل الحشد بفخر وكأنها البطلة الحقيقية للعرض.
تعالى صوت الصفير والتصفيقات المشجعة بمجرد ظهور الفريق، وبدأ العد التنازلي للانطلاق. لكن مراسل إحدى القنوات التافهة تسلل بين الحشد، ووجه سؤالاً إلى أدهم قائلا:
هل أنت خائف من المستقبل؟
رفع أدهم قبضته وابتسم ابتسامة واثقة:
إذا حاول المستقبل تخويفي، سأحطم أنفه وأنفك…

تعالت الضحكات في الأجواء، لكنها لم تستطع حجب الإحساس بالترقب الذي بدأ يتسلل إلى الحشد. كانت الرياح الصحراوية تداعب أطراف الكثبان، حاملة معها ذرات الغبار التي بد وكأنها ترقص حول الآلة الغامضة على رأس الكثيب فرحا بها.
طافت طائرات الأمن في السماء في دوائر محكمة، تصدر أزيزًا خافتًا يضيف لمسة من التوتر إلى المشهد. وعلى الأرض، كان الفريق العلمي يتهيأ للانطلاق، كل منهم في زاويته الخاصة. أدهم صبري استمر في حركاته الرياضية، بينما جلس نور على صخرة قريبة، متأملاً اللوح الذي يحمله كما لو كان يحمل فيه أسرار الكون بأكمله. أما نجلاء، فكانت تنظف المكنسة الذهبية بعناية فائقة، وكأنها تستعد لمعركة حاسمة في أعماق الزمن.

كانت العيون مثبتة على الآلة، مزيج من الحماس والخوف يسيطر على الأجواء. أطفال يحملون أعلامًا صغيرة يقفزون بحماس، فيما كان كبار السن يهمسون بكلمات غير مفهومة. الصحفيون واصلوا توجيه الأسئلة، لكن صوت العد التنازلي بدأ يعلو شيئًا فشيئًا، ليطغى على كل شيء آخر.
“ألف… 999… 998…” تعالت أصوات العد التنازلي من مكبرات الصوت، فيما توقفت الأنفاس انتظارًا للحظة الحاسمة.

استغل العلماء الدقائق المتبقية قبل الإقلاع في فحص الآلة، يتنقلون حولها بخطوات مضطربة، كأنهم في رقصة مضحكة على إيقاع من القلق. بعد الانتهاء من الفحص، توجهوا إلى أنفسهم، يمشطون شعورهم بشيء من العجلة، ويرشون على أنفسهم قوارير العطر الرخيص الذي أصبح جزءًا من هويتهم. لمعوا أحذيتهم بعناية مبالغ فيها، وكأنهم يستعدون لحفل تكريم في المستقبل.
سرح كل واحد منهم في عالمه الوردي الخاص. “نور” يتخيل سعادة زوجته “سلوى” بعد عودته من المستقبل منتصرا. تلك الحبيبة الغالية التي لم تحتمل مشاهدة ابتلاع الزمن له، فقررت عدم حضور الحفل.
و”أدهم”، الذي كان بعد زواج “منى” شبه مصدوم، والذي لا يمانع أبدا من دخول شابة جميلة من المستقبل حياته العنيفة لتنسيه شجارات الحياة.
أما شوشح فقد كان حلمه بسيط، مجرد وجبات لذيذة، وكرة قدم صغيرة يتحدى بها امهر اللاعبين في المستقبل. أما “نجلاء”، فكانت ترى نفسها ترتدي تاجًا مرصعًا كملكة الإختراع في المستقبل وبعد عودتها.

رغم أحلامهم السعيدة، لم ينسوا الحقيقة المزعجة، وهي: أنهم سيحشرون في علبة زمنية قد تنفجر بهم في أية لحظة.

كانت لحظة الإقلاع المجهولة أشد ما يخيفهم، لكنها في نفس الوقت كانت بوابتهم إلى المستقبل المنير… الحلم الجميل، كان يضيء دهاليز الخوف المظلمة في نفوسهم، ويجعلهم يتحملون توتر الإنتظار وضيق الآلة بعده، مؤمنين بأن كنوز المستقبل وأسراره وجماله يستحق العناء.

تسلق محسن الآلة بخفة كالقط، وعيناه تلمعان بالحماس الذي أشعل كلماته وهو يهتف:
أيها السادة، نحن اليوم على موعد مع التاريخ! مهمة علمية سامية أخرى، لم ولن يسبقنا إليها أحد. سنسافر، بعد إذنكم، إلى المستقبل البعيد، في رحلة تقفز بنا ثلاثة قرون نحو المجهول. سنصل بعد 3 دقائق من الإختفاء من أمامكم إلى عام 2377. ومن يدري ما قد نجد هنالك؟! المهم هو أننا سنعود إليكم منتصرين حاملين مفاتيح المستقبل، إن نجونا من “علبة السردين” هذه.

توقف للحظة، وقد خنقته العبرات من فرط الحماس.
التقط نور الميكروفون بابتسامة متحدية، وقال:
تحية مني لزوجتي العبقرية سلوى، ليتك رافقتنا يا عزيزتي، أنتِ والفريق بدلا من أدهم وشوشح الغبيين. لكن لا تقلقي، سأمثل مصر العظيمة أم الدنيا خير تمثيل. ولن أسمح للولد محسن ولا للحيوان أدهم بالتفوق علي.

خطف شوشح الميكروفون، وصاح وهو يلوح بيده:
دعكم من هذا المجنون المتنقل بين الكواكب. بعد 3 دقائق بالتمام، ستعودون إلى منازلكم الكئيبة، أما نحن، فسنكون في عالم قد لا نجد فيه مكانًا أصلا.
ضحك الجمهور. أما أدهم فدفع شوشح دفعة قوية أطاحت به، ولوح بقبضته قائلا:
دعكم من هؤلاء الفاشلين الحاسدين. أما أنا فأعدكم بالنصر. سأنتصر في معركة المستقبل رغما عن أنفهم، وسأكتب اسمي في صفحات التاريخ المجيد كعادتي.

دوت الهتافات والتصفيقات من كل مكان. وقف الحشد مشدوهًا، عيونهم مثبتة على الآلة التي بدأت تغلق منافذها ببطء، كأنها تتستر عن الأعين المحملقة فيها.
جلس محسن خلف لوحة التحكم، وهو يحاول السيطرة على توتره الذي ظهر في يديه المرتعشتين. لم يستطع نور إخفاء قلقه وهو ينظر إلى مؤشرات الآلة، وكذلك أدهم.

بدأ محرك البرغوث الذري S99 يدور بصوت متصاعد يشبه دمدمة بركان على وشك الانفجار، فيما كانت الآلة تومض بشكل متقطع، كأنها تتحدث بلغة خفية. فجأة، اهتزت بعنف، مما جعل قلوب الجميع تقفز، وكأن الزمن نفسه يعترض على اختراقهم لحرمته.
ارتفعت الرياح مثيرة عاصفة صغيرة من الرمال التي التفت حول الآلة مثل وشاح غامض.
تصاعدت آهات التعجب من الحشد عندما بدأت الآلة تتلاشى ببطء، وكأنها تتحول إلى سراب يبتعد في الأفق. اختفت حوافها تدريجيًا، وبينما تلاشت في الأفق، بقيت نقطة ضوء صغيرة للحظات، كأنها عين الزمن تراقبهم قبل أن تختفي هي الأخرى.

عبق الهواء برائحة غريبة، مزيج من الغبار الرملي والزيت المحترق. وقف الجميع مذهولين، كأنهم شهود على معجزة.
همس البعض بدهشة:
هل هذا حقيقي؟!
بل خدعة بصرية!
إنها معجزة!

خفتت الأصوات تدريجيًا، وبدأ الجمع في التفرق. عادوا إلى واقعهم المضني الذي بدا باهتًا أمام عظمة ما عاشوه للحظات، كمن يستيقظ من أجمل حلم جميل.
شد طفل صغير على يد والدته، التي حاولت جره بعيدًا عن المكان، وهو يصيح بحماس:
أريد واحدة مثلها!
لكن صوته ضاع في الزحام، مثل حلم صغير تلاشى مع الغبار.

رواية فرسان الظلام


عبر الزمن

كانت الأمور تسير داخل الآلة كما ينبغي… أو على الأقل كما بدا لهم. جلس محسن متكئًا على كرسيه الوثير، يشرب الشاي اللذيذ الذي أصر على إحضاره آلته الخاصة معه – صحن وإبريق و3 كروس، مستمتعًا بالأضواء المتداخلة التي تحيط بالآلة كأنها رقصة ليزر في عرض مسرحي. تثاءب بخمول، ثم التفت إلى نور قائلاً:
هل حسبت سرعة الضوء مجددًا؟ هل تأكدت من إحضار أكياس السردين؟ لا نريد أن نموت من الجوع على الأقل، إن كنت لا تعرف الحساب…
رد نور بتكاسل وهو ينظر إلى لوحة التحكم التي تومض بشكل غير منتظم:
كل شيء على ما يرام، سرعة الضوء ثابتة كما اخترعوها. ونحن نغوص في بحر الزمن بمنتهى الجنون والسفه! لا أدري كيف قررت رمي نفسي معكم إلى التهلكة عبر هذه الآلة الغبية؟!
أضاف وهو يتنهد بأسلوب درامي:
لكنه نداء مصر، أم الدنيا. ولابد من تلبيته، حتى لو كان ذلك يعني أن أمضي بقية حياتي في علبة سردين عائمة في بحر الزمن.
تمتم شوشح وهو يبحث عن مقعده:
كفاك تفاخرا ببلدك، أتعبت أمنا به. نحن في آلة راقية، لسنا في علبة سردين، لو كنا في علبة سردين كيف كنا سنفتح غطائها من الداخل؟

بدأ شوشح يفتح النافذة لإخراج رأسه، لكن لم يكد يفعل حتى صاح فيه محسن بغضب:
أدخل رأسك أيها الغبي قبل أن يتحول إلى منبه أو كرة قدم. نحن نسبح في مجرى الزمن.

كان الفضاء الغريب الذي يحيط بهم مزيجًا من الألوان المتداخلة تتحرك كأنها لوحات زيتية مضطربة بينما كانت أصوات دق المنبهات تتردد.
شعر الجميع كأن الزمن يحيط بهم ككيان حي، يحاصرهم بأصواته وألوانه، ويترصد خطأهم الأول ليبتلعهم. ما جعل نجلاء تهتف بعجب:
كأني أسمع دق آلاف المنبهات مرة واحدة… كأن الزمن يحاول إيقاظنا من الوهم الذي نغط فيه.
تثاءب أدهم وهو يغوص في كرسيه، وقال بفتور:
لا تنسي أيتها الجميلة أننا نسبح في مجرى الزمن…

رواية فرسان الظلام

هتف شوشح:
ألم تلاحظوا أيها الأغبياء مضت 20 دقيقة منذ مغادرتنا؟ كان المفروض أن نصل إلى وجهتنا بعد ثلاث دقائق.
رد محسن بثقة وهو يحتسي كأس الشاي الذي بين أصابعه:
أيها الغبي، ذلك بحساب زمن الأغبياء الذين تركنا خلفنا، أما هنا، في هذه العلبة، سنقضي ثلاثة أيام نقطع خلال كل يوم منها قرنًا من الزمن.

أصدر صوتًا مزعجًا وهو يشفط الشاي ببطء متعمد، كأنما يحاول استحضار عبق الماضي. تراقصت في ذهنه صورة الحبيبة الوحيدة التي عرف يومًا، عندما كانا يجلسان معًا على الكثيب الرملي تحت ضوء القمر الذي أراه وجهها قمرا بجانبه تحت الملحفة.
صاح أدهم فيه:
لا ترشفنا مع ما في كأسك من فضلك!
رفع محسن عينيه إليه بهدوء، ثم قال بابتسامة ساخرة:
الشاي الصحراوي لا يشرب بلا قعقعة وضجيج وحب أيها المتخلف.
تدخل نور، وقد بدا عليه الإحباط:
شاي صحراوي؟ في هذه الآلة؟! أرجوك.

شرد شوشح ببصره عبر الزجاج الشفاف الذي أظهر الألوان المتشابكة للفضاء الزمني المحيط بهم، وهمس لنفسه:
أيعقل أن ألتقي بأحفاد أحفادي في المستقبل؟ ترى كيف هو حالهم، وهل سيعرفونني؟ هل حافظوا على دينهم وأخلاق آبائهم؟
صاح فيه أدهم بتهكم:
هل أنت متزوج أصلاً أيها الأبله؟
تجاهله متابعًا شروده:
كم هو مثير أن يلتقي الواحد بحفيده العاشر!
قهقه أدهم بصوت عالٍ وقال:
اطمئن أيها الغبي. لن تلتقي بحفيدك الأول ولا العاشر. ولا وقت لدينا أصلا للبحث عن أحفادك الأغبياء.
رمقه شوشح بنظرة حارقة، وتمتم بسخرية:
أعتقد أن أحفادك وحوش ودواب مثلك.
تدخل محسن لقطع الجدال:
كفى، لا نريد شجارًا في المركبة! نور، تأكد من مؤشر الزمن. أما أنتِ يا نجلاء، استيقظي من نومك فقد طال، وشغلي لنا فيلمًا هنديًا لنتسلى به قبل الوصول إلى هدفنا.
ردت نجلاء وهي تتثاءب:
حاضر.

بدأت الأضواء في لوحة التحكم تخفت وتضيء بشكل عشوائي، كأن الآلة تُحذّرهم من شيء لا تستطيع التعبير عنه. كانت الكلمات المكتوبة على الشاشة تتلاشى وتظهر، وكأن الكمبيوتر يخفي شيئًا.
هز نور رأسه بشرود وهو يراقب الشاشة:
مؤشر الزمن يشير إلى أننا قطعنا 70 كيلومترًا… أقصد 70 عامًا. لكن هناك مشكلة في الكمبيوتر الرئيسي، يظهر خطأ لم أفهمه حتى الآن.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يعلق شوشح بابتسامة ساخرة:
أعتقد أن الخطأ الوحيد الذي يجب إصلاحه هو وجود الغبي أدهم معنا.
رمقه أدهم بنظرة نارية ولم يعلق.

هتفت نجلاء وهي تشغل المجسم قائلة:
سيبدأ الفيلم بعد لحظات. أتركوا الكمبيوتر الغبي لأخطائه، واستمتعوا بمشاهد الحب الجميل التي لن ترون مثلها أبدًا في حياتكم!
انطلقت أغاني الفيلم الهندي تزلزل الآلة وآذانهم. همس أدهم لنجلاء:
يا له من منظر جميل! انظري إلى البطل والبطلة على الهضبة الخضراء، يغنيان ويرقصان بسعادة، والجمهور يحشش تحتهما في الأسفل. ما أجمل الهنديات!
هتف نور ساخرا، وهو يعبث بلوحة التحكم:
كل هذا التعليق الطويل، لأجل الهنديات…
ضحك شوشح ساخرًا:
الغبي هو آخر من يتحدث عن الجمال. نظرته للجمال مشوهة مثل ذوقه في كرة القدم!
رد أدهم بسخرية:
يا صغيري المعتوه، المتشح بالبلاهة والغباء، يبدو أنك تجهل أنك تتعامل مع رجل المستحيل… أنا مستحيل في الحب أيضا!
افتعل الأول ضحكة صاخبة وقال:
أنت… في الحب؟ مستحيل. لا تجعلني أضحك! لا يمكنك الوقوف في وجه لاعب وشاعر شاعري مثلي. أقسم أن أفسد عليك كل خططك ومغامراتك الرومانسية.
أطلق أدهم ضحكة عالية، ورد بحدة ساخرة:
أنت؟! هاآآآوو، فليكن، نحن في تحدٍ إذن. لكني أحذرك، لن أرحمك.
اشتعل وجه شوشح حنقًا، لكنه افتعل ضحكة مغتصبة، وقال:
سنرى من سينتصر أخيرا أيها الوحش…
قاطعه أدهم وهو يهز رأسه ضاحكا:
عجبا لك يا أخي، حتى هذه الآلة القبيحة أكثر وسامة منك.

تعالت الضحكات داخل الآلة، فيما ارتفعت الموسيقى الهندية في الخلفية، وكأنها تضفي جوًا دراميًا ساخرًا على المشهد. هتف محسن:
تذكرت شيئًا! مخرج الفيلم يذكرني بأننا ثبتنا بعض الكاميرات في الخارج. ألقوا نظرة عليها، ربما التقطت شيئًا مثيرًا للاهتمام.
ردت نجلاء بضجر وهي تتثاءب:
بعد الفيلم… بعد الفيلم…
بدا القلق على نور الذي صاح وهو يراقب شاشة الكمبيوتر المتضاربة الألوان:
يوجد خطأ ما. الكمبيوتر المجنون يصر على أنه خطأ كبير وفادح، وربما…
قاطعه محسن، وهو يرفع يده في الهواء موقفا إياه بصرامة:
بعد الفيلم… بعد الفيلم!

ظل الخطأ معلقًا في فضاء الآلة، بينما الكمبيوتر المسكين يطلق إشارات استغاثة دون اهتمام أحد به أو بها. حتى نور صاحبه، الذي يفترض أن يكون يجانبه ويحبه، هجره ليستمتع بأحداث الفيلم الهندي.
شعر الكمبيوتر بالإهانة، وتمتم لنفسه بلغة مليئة بالحقد والاستياء:
لا يهمني. ليذهبوا إلى الجحيم. هم رواد الرحلة لا أنا.
وبعناد قرر إدخال نفسه في سبات عميق. وكتب لهم على شاشته رسالة مفعمة بالسخرية:
“آسف للإزعاج… لا يوجد خطأ. أنا الحمار المخطئ الوحيد في هذه العلبة. فرجة ممتعة على الفيلم الهندي السخيف”.

كان ذلك خداعًا في غاية الوضاعة من آلة، لكنه شعر أنه مبرر. كيف يجرؤون على تجاهله وحرمانه من الإفتخار باكتشافه لأخطاء؟!
لاحظ نور الرسالة على الشاشة، فهتف مبتهجًا كما لو أن حملا ثقيلا انزاح عن كاهله:
لقد اعتذر الكومبيوتر الغبي. لا يوجد خطأ. فرجة ممتعة.
ضحكت نجلاء وهي تعلق بسخرية:
ألم أقل لكم ان هذه الحواسيب الذكية مجنونة؟ الحواسيب القديمة أفضل، نعم كانت أبلد لكن أقل رخامة وأخف دم.
ضحك الجميع، بينما استمر الفيلم في استعراض مشاهده الدرامية والعاطفية المبالغ فيها، والتي زادت الجو عبثية وسخرية من الواقع. وفي الخلفية، واصل الكمبيوتر سباته العميق، متجاهلًا أصوات تصفيقات الجمهور للفيلم.

مضت الأعوام تسابقهم نحو المستقبل حتى بدت أبوابه تلوح أمامهم كضوء بعيد في نهاية نفق الألوان المتداخلة. هتف محسن، وهو يعبث بأزرار الكمبيوتر بطريقة مبالغ فيها كأنه طيار في فيلم:
سيداتي سادتي، نتمنى أن تكونوا قد استمتعتم برحلتنا العجيبة! سنهبط بعد لحظات في المستقبل الجميل. يرجى ربط أحزمة الأمان…
ضحك أدهم وقال بنبرة ساخرة:
أراهن أن رجال المستقبل أجبن من نسائه.
سأله نور باستغراب:
كيف توصلت إلى هذا الاستنتاج يا عبقري؟
رد أدهم بثقة وهو يشبك يديه خلف رأسه:
إنه التطور! كلما ازداد الإنسان تطورًا، كلما ازداد جشعًا وكسلاً وجبنًا. الرجال الذين يبنون عضلاتهم بالأعمال الشاقة والشجارات يتحولون إلى نساء يجلسن أمام الحواسيب والتلفاز.

هتف محسن مقاطعا:
إن كنتم من الصوفية، والعياذ برب العالمين، فاقرؤوا أورادكم. وإن كنتم من السلفية، وهو خير لكم، فابدؤوا في قراءة تحصيناتكم! فقد بدأت الآلة في الهبوط… تشبثوا جيدًا!

أصدر محرك الآلة صوتًا عميقًا كأنه يتنهد من ثقل الزمن الذي يحمل. تعالت الدهشات بينما كانت الأرضية تحتهم تضيء وتخفت بشكل متزامن، كأنها تتفاعل مع اقترابهم من المستقبل.
سمعوا في تلك الأثناء ما يشبه زقزقة العصافير، متقطعة، مشحونة بغموض يثير الريبة بدلًا من الراحة. تداخلت الزقزقة مع أصوات خافتة أخرى، كأن الغابة تهمس بأسرارها القديمة.
فجأة، اهتزت الآلة بعنف كأن يدًا خفية دفعتها من مسارها. كان نور يحدق في الشاشة بقلق واضح، بينما حاول محسن أن يبدو متماسكًا وهو يعبث بالأزرار بيدين مرتجفتين. أما شوشح، فقد تمتم بصوت خافت: ليتني لم أركب معكم هذه العلبة الملعونة.
صاح نور:
تأكدوا من لف أحزمة الأمان حولكم، الآلة تتردى في طريقها إلى الهاوية.
دوى صوت ارتطام هائل اخترق السكون. ارتجت الآلة بشدة قبل أن تستقر أخيرًا في ذلك المكان.
تردد صوت زقزقة العصافير مشحون بالغموض، وتداخل مع أصوات أخرى بعيدة تشبه صرخات مكتومة، زادت من شعورهم بالعجز أمام ما يخبئه لهم ذلك المكان الموحش”.
عندما رفعوا أعينهم من نوافذ الآلة، لم يكن المشهد أقل صدمة: مكان مرتفع مظلم مقفر، رغم تداخل أشعة شاحبة تخترق الأغصان الطويلة. بدا وكأنهم في عالم نسيت فيه الحضارة نفسها، لتتركهم أمام طبيعة خام لا تخضع لقوانين البشر.


أرض الظلام

ظهرت الآلة في ذلك العالم الغريب، مستقرة بشكل غير متوقع على قمة شجرة عملاقة، بدت أغصانها المتشابكة كشبكة أمان طبيعية حالت دون تحطمها أو إصابة ركابها بأضرار جسيمة. كانت الآلة تصدر أصواتًا خافتة، كأنها تتنفس الصعداء بعد رحلتها الشاقة.
صاح شوشح فجأة، وهو يمسك ساقه ويبالغ في آلامه:
آخ! رجلي… الآلة اللعينة كسرت الرجل المفضلة لدي في لعب الكرة!
لم يكترث له أحد، فقد كانت أعينهم متجهة إلى النوافذ التي ارتفعت لتكشف عن العالم المحيط بهم. هتف محسن محاولًا كسر التوتر:
رائع. النظام الإلكتروني سليم على الأقل!
أخرجت نجلاء رأسها من نافذة الآلة. أصابها ما رأت بدوار شديد، فتراجعت إلى الداخل بسرعة، وهي تصيح برعب:
نحن معلقون على قرن شجرة لا يقل ارتفاعها عن مائة متر!
اقترب نور بخطوات مترددة نحو الحاجز، متأملا إلى المشهد المحيط بهم. غمغم بصوت قلق:
وجود مثل هذه الأشجار العملاقة في زمن يُفترض فيه تلاشى الغابات بسبب العلم الخبيث والانفجار العمراني، أمر غريب.
امتدت الغابة أمامهم بلا نهاية، مليئة بأشجار ضخمة ذات أغصان ملتوية، كأنها تحاول احتضان السماء. كان الظلام يغلف المكان بشكل مريب. أصوات خافتة تأتي من الأعماق، أشبه بزئير مكتوم يذكّرهم بأنهم ليسوا وحدهم في ذلك المكان.

تأمل أدهم الأشجار العملاقة المحيطة بهم، مركزًا نظره على الحبال المعلقة المتشابكة التي تشكلت من جذور الأشجار الضخمة. بدت تلك العروق المعلقة كجسر طبيعي يمتد بين السماء والأرض. ابتسم وقال بنبرة واثقة:
يمكننا استخدام هذه الحبال للهبوط… مثل البغيض طرزان.
صاح شوشح ملوحًا بيده بعصبية:
أيها المجنون! هل تظن أننا في فيلم خيالي؟ هل تريد تحطيم رقابنا؟
لكن محسن، الذي كان يحاول استيعاب الموقف، نظر إلى الحبال بإمعان وتمتم:
طرزان محق…
هتف أدهم بحماس كأن الفكرة أصبحت أكثر وضوحًا في عقله:
اطمئنوا، الشجاع منكم سيصل لسطح الأرض دون دوار أو غثيان. أما الجبان، كهذا – أشار إلى شوشح، فقد لا يصل أصلاً.
أنهى عبارته وهو يحدق في وجه شوشح بنظرة مليئة بالتحدي. لكن الأخير، بدلاً من الرد عليه بكلام، فاجأ الجميع بقفزة جريئة من نافذة الآلة نحو أحد العروق المعلقة. كانت حركته أشبه بمشهد سينمائي مليء بالإثارة، ولكنها سرعان ما تحولت إلى فوضى عندما فقد توازنه للحظة، محاولًا الإمساك بالحبال. ارتفعت صيحات الحاضرين دهشة وخوفا وذهولا، وأسرعوا إلى النوافذ يتأملونه وهو يتردى قبل أن يضيع في الظلام.
صاح محسن، محاولًا استعادة صوابه:
الغبي… لقد رمى بنفسه من النافذة!
صاحت نجلاء:
الغبي انتحر!
مضت دقائق من الصمت الرهيب، قطعها محسن بقوله ، وكأنه يضع خطة هروب نحو الأمام:
ليحمل كل منا ما خف حمله وغلا ثمنه من الأجهزة العلمية. لسنا بحاجة إلى أي جهاز بلاي ستيشن أو مشغل أفلام هندية. وليحملنا طرزان إلى الأسفل، لن يكون شوشح أشجع منا.
التفت حوله فلم ير نور، فتمتم:
على كل حال لم يبق إلا أنا وأنت يا نجلاء.
وقف أدهم عند النافذة بابتسامة واثقة وقال:
لا تقلقوا. كل ما عليكم فعله هو التشبث بي جيدًا…
أمسك محسن بأحد العروق المتشابكة وتحسسه بحذر، ثم همس لنجلاء وهو ينظر إلى الأسفل المظلم:
نحن مضطران للرضوخ للمجنون…

رواية فرسان الظلام

قام أدهم بنقل محسن ونجلاء إلى الأسفل بطريقة أشبه بعرض كوميدي غير مقصود. كان يطلق صيحاته المنكرة مقلدا طرزان اللعين. وفي كل مرة يعود ليتسلق الشجرة العملاقة بخفة القرد، ثم يهبط بحمل ثقيل، كانت تلك الصيحات كافية لجعل نجلاء تفقد وعيها أكثر من مرة، ليس من الخوف فقط بل من شدة الإزعاج.

عندما وصل الجميع إلى الأرض، وجدوا المفاجأة بانتظارهم: شوشح المحظوظ وقع في عش طائر رخ ضخم، أنقذه من الموت المحقق. أما نور، فقد أظهر مرة أخرى ذكاءه المميز، إذ هبط بسلام، معتمدًا على تشابك الحبال الطبيعية وحساب المثلثات الذي قاده إلى بر الأمان. تمتم وهو ينظر حوله بحذر:
هذه الأشجار متشابكة وضخمة لدرجة أن حشائشها تكاد تتجاوز المتر ارتفاعًا… وهذا الظلام… ألم تلاحظوا كم هي مسودة أجواء المكان؟
همست نجلاء بشفتين مرتجفتين وهي ترفع رأسها نحو السماء:
أعتقد أننا خرجنا من الأرض…
رد محسن بنبرة قاطعة وهو يحاول فرض سلفيته:
لن يخرج من الأرض إنس ولا جن إلا بسلطان، وطبعا ليس العلم الخبيث الزائف. السماء العظيمة سقف على الأرض العظيمة، وهي مغلقة على من فيها. لا تنخدعي بفكرة الفضاء السخيفة… كانت مجرد أكذوبة أمريكية مفضوحة أخرى.
اقترب شوشح من نجلاء وهمس ساخرًا:
لا تجادلي الوهابي، سيتعبك وقد يدخل الشك في دينك إلى قلبك… أدلته أكثر من أوراق الشجر!
هزت نجلاء رأسها موافقة، وخاطبت محسن محاولة الفرار من النقاش:
معك حق… ما رأيك بترك هذا الموضوع الآن؟ لدينا ما هو أهم.
لكن محسن، بحماسه المعتاد، لم يكن مستعدًا للسكوت:
لماذا تستعجلون تغيير الموضوع كلما تضمن الأدلة الناسفة لأباطيلكم؟ ألا تلاحظون أن الشيطان يشغلكم بهذا الحقد والنفور عن الإستماع إلى الحق أو البحث عنه؟!
تمتمت نجلاء وهي تحاول إنهاء النقاش:
نعم، نعم، معك حق… لكن لماذا لا نركز الآن على ما يحيط بنا؟ هذا أفضل في الوقت الحالي. أعدك بالعودة إلى مناقشتك في ديني لاحقا، فأنا كما تعلم صوفية قحة وفخورة، وأشعرية أيضا، وماتوريدية ديمقراطية إخوانية.

ساد الصمت للحظات، بينما راحت العيون تتنقل بين أشجار الغابة الكثيفة الممتدة بلا نهاية، وكأن الجميع يحاولون تجنب أي نقاش جديد قد يُشعل حماس محسن من جديد.

قام نور بمسح المكان بالجهاز الذي يحمله، محدقًا في الشاشة الصغيرة أمامه. غمغم بصوت مملوء بالدهشة:
هناك الكثير من المخلوقات الضخمة والمتوسطة والشبه بشرية تتحرك في هذه الغابة… نقاطها الحرارية تكاد تطغى على شاشة الجهاز.
توقف للحظة، ثم أردف بعد تفكير قصير:
توجد شجرة قريبة، قصيرة نسبيًا مقارنة بالبقية، طولها سبعة عشر مترًا. ما رأيكم في الالتجاء إليها لحين اتضاح الرؤية؟
غمغم أدهم ساخرًا:
قل لحين طلوع النهار، فليس للرؤية وضوح هنا.
رد محسن، وهو يتفحص الأجواء الداكنة المحيطة بهما:
أعتقد أننا في عز النهار…
رفع أدهم حاجبيه بدهشة:
وما دليلك؟
توقف محسن للحظة، ثم قال:
مجرد إحساس…
ابتسمت نجلاء ابتسامة ساخرة، وهي ترى الفرصة للانتقام من تعليقاته السابقة، وقالت:
وفر أحاسيسك لنفسك، وأعطنا الدليل العلمي على ما تقول!
شعر محسن بالضيق من تعليقها، فرفع صوته محاولًا فرض الجدية:
عودوا إلى العمل بدلاً من النقاشات العقيمة. أدهم، استخدم آلة الإحداثيات وبرمج طريق العودة إلى الآلة. قد نضيع في متاهات هذه الغابات إن لم نحسب حساب ذلك. وأنت يا نور، خذ جهاز الجيولوجيا الأحفوري وحدد عمر الأرضية.
أمسك نور بالجهاز، يتفحصه بفضول شديد. غمغم بدهشة وهو يشير إلى الشاشة:
لن تصدقوا… نحن في زمن قريب من العصر الحجري! والدليل…
لم يتمكن من إنهاء جملته. قاطعته نجلاء بصيحة دهشة وهي تفتح عينيها عن آخرهما:
ماذا؟!
تعالت ضحكة خفيفة من أدهم. لم يرفع نور عينيه عن شاشة جهازه. ساد الصمت للحظة مشحونة، قبل أن يستأنفوا العمل. كان بصره يتنقل بحذر بين الغابة الموحشة والمخلوقات التي تتحرك كظلال على شاشة جهازه، كأنها تراقبهم، تنتظر الفرصة المواتية للخطوة التالية.

صاح نور وهو يتجه نحو الشجرة محاولًا تسلقها مجددًا، وقد بدا الغضب في عينيه:
الكومبيوتر المنافق كان يعلم أننا بدل السفر إلى المستقبل كنا ننجذب بسرعة رهيبة إلى الماضي! لقد كان الماضي يبتلعنا، والكومبيوتر يتفرج ويكذب زيادة على ذلك!!
ساد صمت غريب. بدت الصدمة واضحة على وجوه الجميع. فغروا أفواههم لثوانٍ، قبل أن يهتف محسن، وقد بدا وكأنما استسلم للواقع:
الكومبيوتر اللعين… لم يعد أمامنا إلا تقبل الأمر الواقع. لا يمكننا فعل أي شيء الآن.
صاح شوشح محاولًا كسر الصمت:
أقترح العودة فورًا! مهمتنا ليست البحث عن الديناصورات والهمجيين المتخلفين!
رد محسن بحزم، محاولًا تهدئة روعه:
لن تتزحزح الآلة من مكانها قبل شهر من الآن… هكذا تمت برمجتها. كما أنها تحتاج إلى بعض الإصلاحات بعد الهبوط العنيف. لم يعد أمامنا سوى استكشاف هذا الوطن الجديد.
زفر زفرة حارة وألقى نظرة على الآلة التي تعشش على الشجرة العملاقة، وقد بدت كأنها جزء منها ومن ذلك الظلام. تمتم بقلق:
أعتقد أنها بأمان هناك… ما لم يبتلعها طائر أو يحطمها وحش.
غمغم نور وهو يحدق في الأفق:
أتمنى ذلك…

وصلوا إلى الشجرة القصيرة نسبيا وقد قرروا الراحة عليها. تسلق كل منهم غضنا من أغصانها المتشابكة واتخذ لنفسه مكانًا. وسرعان ما استسلموا لنوم عميق حتى ارتفع غطيطهم، لكن ذلك لم يدم طويلًا.
استيقظوا فجأة على وقع أقدام عملاقة تدك الأرض من تحتهم. اهتزت الشجرة بعنف مثل قلوبهم، وصرخت نجلاء وهي تشير إلى الأسفل:
وحش! وحش!
ازداد اهتزاز الأرضية، واقتربت الأقدام أكثر فأكثر منهم. وفجأة، ظهر حيوان ضخم كالديناصور، قطع الظلام مثل كابوس متحرك. مر فوق الشجرة دون اكتراث، وكأنها عشبة بين قدميه!
صرخت نجلاء، وقد فقدت السيطرة على فكيها:
هل رأيتم ذلك؟ أريد العودة إلى أهلي الآن! أعيدوني إلى أهلي الآن.
تمتم نور بامتعاض:
كل هذا بسبب الكومبيوتر اللعين…
نظر إلى السماء التي بدأت تخبو فيها آخر خيوط الضوء، وقال بنبرة خافتة:
أبشروا… لقد كنا في النهار. يبدو أن الليل قد بدأ يحلّ الآن.
صاحت نجلاء بيأس:
أريد العودة إلى أهلي… الآن!
لكن أدهم لم يفوت الفرصة للسخرية فقال:
المغامرة لم تبدأ بعد، وأنت تريدين العودة؟!
رمقته بنظرة غاضبة، والتزمت الصمت وهي ترتجف من شدة الرعب.

أحاط بهم من العدم أشخاص ضخام، بدت أجسادهم كأنها منحوتة من الصخر، يسترون عوراتهم بجلود بدائية، ويحملون سيوفًا متلألئة في ضوء المشاعل التي أضاءت المكان كأنه مسرح غامض. كانت عيونهم حادة تتألق بوميض غامض، وأصوات خطواتهم الثقيلة تكاد تدك الأرض.
صاح أدهم صيحة قتالية وهو يكسر أحد الأغصان، وقفز على الغرباء كنمر جائع، ضاربًا أقربهم على صدره. لكن الغصن تهشم كأنه وقع على صخرة، ولم يتزحزح الرجل قيد أنملة!
لم يتوقف، فوجه له لكمة إلى الفك، وأخرى إلى بطنه في جزء من الثانية، لكنه لم يحرك قيد أنملة.

رواية فرسان الظلام

انفجر المهاجمون في ضحك هستيري، بينما حاول أدهم جاهداً ضربهم وركلهم، دون جدوى. انقضوا عليه في النهاية، وقيدوه بجذور الأشجار، وأغلقوا فمه بقطعة قماش لإخماد صرخاته.
أما نور، فأشار بيديه مستسلمًا وقال:
القتال لا يجدي… سنحتاج لخطة أخرى!

تسلق أحدهم الشجرة بخفة، وألقى بالفريق واحدا تلو الآخر، كمن يلقي بثمار ناضجة، ليقيدهم المهاجمون دون أدنى مقاومة.
تحسس شوشح جانبه الأيمن، وتمتم:
هل انكسر وركي؟ هذه السقطة أشد من السابقة.
رد محسن، وهو يحك أسفل ظهره متألمًا:
هل لاحظتم الأقنعة المضيئة التي يضعون على رؤوسهم؟
غمغمت نجلاء وقد بدأت تستعيد هدوءها:
قد تكون للزينة.
نظر إليها محسن بازدراء، وقال:
غبية… لا تفكرين إلا في الزينة والبدع.
ردت عليه بصوت غاضب:
اخرس أيها الوهابي المتحذلق. اهتم بنفسك يا أخي بدلا من غيرك!

ساقهم صائدوهم في الظلام الحالك دون راحة أو طعام. كانت المسافة التي قطعوها تبدو بلا نهاية، حتى أشرفوا على مدينة عجيبة البنيان، جدرانها الشاهقة تبدو كجبال نبتت وسط الغابة المظلمة.
كانت الأبنية في المدينة تبدو وكأنها نُحتت في الجبال، مع نقوش غريبة تلتف حول الجدران كأنها كتابات بلغة مفقودة.
كان الهواء مشبعًا برائحة الرطوبة والعشب المتحلل، بينما تردد في الأفق همهمات خافتة أشبه بأصوات الأشباح.
بمجرد دخولهم إلى “مدينة الظلام”، خرج سكانها للفرجة عليهم. لم تمض سوى لحظات حتى أحاط بهم الحشد من كل جانب. كانت البدائية هي السمة الغالبة على السكان: أجساد ضخمة، شعور طويلة كتسريحة الأسد، خالية من أي عناية. بدت سحناتهم داكنة تميل إلى الاحمرار القاتم والسواد، وعيونهم تحدق فيهم كأنهم كائنات غريبة.

امتلأت الأعين بالدهشة وهي تتفحص أزيائهم وهيئاتهم. وفجأة، سقط الجميع على ركبهم عندما برز شبح ضئيل من بين الجدران يغطي جسده بما يشبه الحصير، ويمشي بخيلاء كأنه أعظم الملوك، وإلى جانبه أسد ضخم، متوقد العينين، مرعب الهيئة، معقود الحاجبين كأنه يفكر في وجبته القادمة.
تمتم أدهم بصوت خافت:
إنها فرصتنا للهرب الآن…
صاح فيه نور محذرًا:
اصمت أيها الغبي، والتزم الهدوء.
أردف نور وهو يراقب القادم:
ألا تلاحظون، إنه زعيمهم. جسده ضئيل لكن مليء بالإحساس بالذات والخيلاء، يمشي ككل الحمقى المتكبرين الذين يهتز كبرياؤهم مع كل نسمة هواء ليضحك الآخرين منهم. إنه مثال حي على الجنون بالذات إن لم يكن كريم النفس.

اقترب القادم من الأسرى، وتوقف على مقربة منهم. تأملهم من وراء القناع الذي يغطي وجهه، ثم رفع يده وهمهم بكلمات غريبة. على الفور، اعتدل الجمع وقوفًا في خضوع كأنهم دمى تتحرك بخيط واحد.
نزع القادم الغطاء عن وجهه، لتظهر شابة جميلة. كانت ملامحها حادة لكن تحمل هدوءًا آسِرًا، رسمت على شفتيها ابتسامة مريحة.

رواية فرسان الظلام

عندما نطقت الملكة، كان صوتها الرخيم يحمل نغمة من القوة والثقة، كأنها تعرف مصير الجميع ولكنها تختبرهم أولًا. قالت:
معكم الملكة “مَرْيُومْ” بنت الملك الأسود، ابن عم الملك الأبيض، خال الملك الأصفر، جد الملك الأغبر، أخو… أوووه، القائمة تطول. المهم، ملكة “إقليم الظلام”… الذي لا ضوء فيه ولا سلام، ولا رقص ولا كلام، بل خوف وهمس ونوم في الغيران.
فغر الأصدقاء أفواههم بدهشة، غير مصدقين ما يسمعونه. كانت الملكة تتحدث لغتهم في هذا العالم البعيد، وسط هذا الغموض!

أمرتهم الملكة بأن يتبعوها، وأدخلتهم إلى قاعة فسيحة تزينت بجدران حجرية منقوشة برسومات غريبة وأضواء خافتة تنبعث من مشاعل مثبتة على الجدران. الأرضية كانت مغطاة بألواح صخرية ناعمة، وفي وسط القاعة وضعت كراسٍ ضخمة منحوتة بإتقان، كأنها عروش صغيرة. جلس كل منهم على كرسيه، مستمتعًا براحة لم يشعروا بها منذ وصولهم إلى ذلك العالم المظلم.
وبعد لحظات، قدمت لهم الملكة طعامًا وشرابًا. كان الطعام يتكون من لحم غريب المذاق لكن لذيذ وحلال، وفاكهة ذات ألوان زاهية، بينما الشراب – الحلال أيضا، كان لامعًا كأنه سائل من النجوم.
بعد أن انتهوا من الأكل، التفتت الملكة إليهم وسألتهم:
من أنتم، وماذا تفعلون في أرضنا المظلمة؟
أجابها محسن بتودد مبالغ فيه، محاولًا الظهور بمظهر الدبلوماسي الحاذق الذي يحب كل الناس:
مولاتي الملكة العجيبة مريوم، ملكة الظلام الحبيبة… نحن مجرد غرباء نطلب الأمن والأمان من حوادث الدهر والحدثان.
وكزته نجلاء وهمست مقاطعة:
كفاك نفاقًا أيها الوهابي.
نظرت الملكة إليهم بفضول وسألت:
متى وصلتم إلى الغابة المظلمة، وكيف؟
تمتم أدهم محاولًا اختصار الحديث:
تلك قصة يطول شرحها…
أردف نور بلهجة أكثر دقة:
أما كيف، فلن تفهمي. وأما من أين، فمن زمن آخر غير زمنكم. وأما متى، فلا نعرف… عالمكم هذا كله ظلام في ظلام.

هتفت الملكة بدهشة وهي تنظر إليه بعينين متسعتين:
إنك تتحدث بلغة الحكماء. هل أنت ساحر؟
أجابها نور وهو يضحك بخفة:
ربما. فأنا عالم، والعلم والسحر قريبان من بعضهما البعض، ويصبان معًا في مجال الكفر، لا وقع فيه طيب من الناس…
مطت الملكة شفتيها وعقدت حاجبيها باستغراب واضح، قبل أن يهتف شوشح بفضول:
كيف تتحدثين لغتنا؟
ابتسمت الملكة وأجابت بهدوء:
بفضل ساحرنا “سيكو”، ساحر الإقليم. علمني الكلمات المفتاحية لكل اللغات. حتى أنني أستطيع أحيانًا التحدث مع الطيور.
ضحك شوشح بصوت عالٍ وقال ممازحا:
لكنك لن تستطيعي أبدًا الطيران مثلها…
وكزه أدهم بغضب، وهمس:
اصمت! فضحتنا أيها الغبي…

رمقته الملكة بنظرة جانبية باردة، كأنها تمنحه تقييمًا لا يتجاوز النجمة الواحدة. واصلت حديثها بنبرة جدية:
يتكون عالمنا من سبعة أقاليم. أولها “إقليم الظلام” هذا. يليه “إقليم الثعابين”، إلى أن نصل إلى الإقليم السابع، وهو “إقليم السحرة”. ولكل إقليم ملك، وفي بعض الأحيان عدة ملوك. وبين هذه الأقاليم حروب لا تنتهي.
توقفت للحظة، وكأنها تراقب تأثير كلامها عليهم، ثم أضافت:
كل إقليم له رموزه الخاصة وساحره، مما جعل الحروب أشبه بمواجهات أسطورية، حيث يمتزج السحر بالشجاعة والقوة في معارك لا تنتهي. أشد هذه الأقاليم ضراوة هو الإقليم السابع، ويحكمه ساحر جبّار، وفارس مغوار لا مثيل لفروسيته. يعبث بالسيوف والفرسان كما يعبث السنور بالفئران. ولحسن حظنا، إقليمه بعيد عنا.
أما إقليمنا فهو الأضعف. وشعبي المسكين يعيش تحت الركام خوفًا من أولئك الجبابرة والوحوش.
صاحت نجلاء وهي تتنهد بيأس:
الغابة المظلمة، إقليم الثعابين، إقليم السحرة… لم يبقَ إلا إقليم “الولايات المتفككة الأمريكية”، لا قامت لها قائمة.
غمزها محسن وهمس:
سيطري على فكيك يا عزيزتي، وراقبي ما تقولين. على الأقل هذا العالم الجميل لا وجود فيه لتلك الحضارة الغاشمة القذرة البائدة.

واصلت الملكة “مريوم” حديثها، متجاهلة تعليقاتهما:
كان شعبي يعيش في رخاء حتى حلت بنا الكوارث، وتحولت حياتنا إلى جحيم مظلم لا يُطاق.
توقفت مدة حتى خيل إليهم أنها تبكي في صمت، ثم رفعت رأسها، وقالت:
شعبي المسكين عاجز، نحتاج إلى فرسان شجعان مثلكم كما أخبرت النبوءة.
صاح شوشح محاولًا التنصل من المسؤولية:
ومن قال لكِ أننا شجعان، أو حتى أذكياء؟
ابتسمت الملكة، وردت بثقة:
إن لم تخني فراستي، لا ينقصكم إلا القليل من التدريب على الفروسية واللعب بالرماح والسيوف والأعمدة الثقيلة. تدريبكم على ذلك هو دورنا.
رسمت على وجهها تعبيرًا آسرًا، وهتفت:
أرجووووكم… ساعدونا.

تمتم محسن تحت تأثير سحرها:
سنحاول فعل كل ما يمكننا لأجلكم، حتى لو كان ضرب عرض الحائط بالآلة والمهمة المقدسة.
انفرجت أسارير الملكة عن وجه كالقمر الساطع في ليلة مظلمة. هتفت بسعادة:
إذن، سنعلمكم المبارزة والقتال على ظهور الخيل والفيلة.
هتف شوشح ساخرًا:
فهمنا المبارزة على الخيول… لكن ما دخل الفيلة؟
صاح أدهم فيه:
بل ما دخلك أنت أصلا في المبارزات والفروسية؟
ضحكت الملكة وقالت:
جبابرة الأقاليم يقاتلون بالأعمدة الثقيلة على الأفيال أيضا.

رواية فرسان الظلام

نظرت إلى شوشح الذي فغر فاه دهشة ورعبا، وقالت بابتسامة ماكرة:
أملي في شجاعتكم كبير.
أحمر وجه أدهم خجلًا، ثم هتف متسائلًا:
إذا كان قومك بهذا الضعف والعجز والجبن، فكيف لم تؤثر فيهم ضرباتي؟
ضحكت الملكة وأجابت:
لقد حماهم الساحر سيكو بالأقنعة المضيئة. لكنها لا تنفع إلا مع من يجهل تلك الحيلة.
علّق أدهم وهو يحدق في الرجال الضخام بدهشة:
لكنهم مثل البغال ضخامة!
ابتسمت الملكة وقالت:
العبرة ليست بالضخامة بل بقوة القلب والفنيات. فرساننا قلة، وأكبرهم مسحور.
هتفت نجلاء فجأة:
معك حق. لولا أن نشر الشذوذ دمر أمريكا وجيشها، لما تمكنت “نواشكوط” من هزيمتها، وأخذ مكانها في العالم.
رد عليها محسن محاولًا إنهاء الجدل:
دعكِ من الأمريكان لا تذكيرينا بهم، لا قامت لهم قائمة. اللعنة عليهم وعلى من تبعهم.

بدت الاهتمام على الملكة مريوم، وسألت بفضول:
هل كان لأولئك الجبابرة الأميركيان ساحر؟
أجابها محسن بابتسامة ساخرة:
قولي ساحران!
فتحت عينيها عن آخرهما وقالت بدهشة:
ساحران؟!
نعم، ساحرة تدعى “الديمقراطية” سحرت عقول ذوي الألباب، وساحر اسمه “الإعلام” كذب عليهم فصدقوه.

تساءلت نجلاء وهي تنظر بحذر إلى الأسد الذي برك بجانب الملكة في استكانة مهيبة. والذي بدا من نظراته أنه يفهم ما يقولونه مثلها:
وما شأن هذا الأسد المرعب.
ابتسمت الملكة وهي تربت على رأسه بحنان:
إنه ليس أسدًا… إنه فارس إقليم الظلام “ظَلْمُوم”. الفارس الجميل الذي كان يومًا من أعظم المحاربين، قبل أن يحوله السحر إلى هذه الصورة.

رواية فرسان الظلام

رفعت نجلاء حاجبيها بدهشة وسألت وهي تراقب الأسد بحذر:
وماذا عن ساحركم… “كيسو”… آه، نسيت اسمه مرة أخرى. لماذا لم يخلصه من السحر؟
ضحكت الملكة برقة وقالت:
تقصدين “سيكو”؟ إنه ساحر غير مرئي، لكنكم ستسمعون كلامه وتوجيهاته قريبًا.
تمتم محسن متأففا:
أعوذ برب العالمين.
لاحظت تضايقه، لكنها واصلت كأن لم تسمعه:
تعاليمه المقدسة لها أثر كبير في نجاح المهة. أما ظلموم… فتلك قصة أخرى، مليئة بالحزن والتضحية والشجاعة.

همست نجلاء لنفسها وهي تحاول إبعاد خاطر غريب داعب خيالها:
مستحيل… لا يمكنني الوقوع في حب أسد.
ألقت نظرة خاطفة عليه، فخُيّل إليها أنه غمز لها بعينه، مما جعل وجهها يحمر خجلا. أشاحت بوجهها بعيدا محاولة السيطرة على أعصابها.
ابتسمت الملكة مريوم بسعادة وأضافت:
استريحوا من عناء السفر. غدًا سنحتفل بكم في كل الإقليم.
ابتسم أدهم بسعادة وهمس لنفسه:
أخيرًا عادت المغامرات إلى عالمي الحافل.

عندما غادروا القاعة، كانت أعين الملكة تتابعهم بصمت، تلمع فيها شرارة حذق ممزوجة بشجاعة وقلق دفين، وكأنها ترى فيهم أملًا يتحدى المستحيل أو لعنة جديدة تلوح في الأفق لتحل على رؤوس الظالمين.
وقفت للحظة، ثم رفعت يدها تربت على رأس الأسد الذي وقف بدوره وكأنما يشاركها حيرتها. ارتجفت أصابعها للحظة قبل أن تتمتم بصوت خافت بالكاد يُسمع:
إنهم مختلفون… لكن هل يكفي ذلك لتغيير مصيرنا؟

خلفها، كان الحراس يتبادلون نظرات متوترة، صامتين كأنهم يحاولون تبرير أفعال ملكتهم. وعلى الجدران، رقصت ألسنة اللهب، تلقي بظلالها على الرسومات القديمة التي بدا وكأنها تحكي عن مآسي الأجداد التي لم تتوقف يوماً عن الحدوث.

في الخارج، كان الفريق يتحرك وسط أجواء ثقيلة، لا تعكرها سوى أصوات الطبيعة الغامضة التي بدت وكأنها تهمس بأسرار الغابة لهم. لمح أدهم ظل الملكة من بعيد، فتوقف للحظة وهمس لنفسه بابتسامة ملؤها التحدي:
“ربما هذه الملكة تستحق مساعدة رجل المستحيل”.
أما نور، فقد كان منشغلًا بجهازه الذي يحمل بين يديه، يسجل ملاحظاته عن الظلال المتحركة والمخلوقات الغامضة التي بدت وكأنها تراقبهم. وبينما غاصت خطواتهم في دروب الغابة نحو قصر الضيافة، شعرت الملكة بشيء ما يكبلها، شيء أشبه برغبة حارقة في التحرك أو البوح، لكنها ظلت تتابعهم بعينيها، كأنها ترى فيهم أكثر مما يراه العالم بأسره، وكأنها تحمل سرًا عظيمًا لا يستطيع أحد تحمله.

يتبع في: “المهمة العجيبة“..

رواية فرسان الظلام

رواية فرسان الظلام

محب التوحيد

محب التوحيد الشنقيطي. أسير على نهج السلف، متمسكًا بالكتاب والسنة. أستلهم من الصحابة وحدهم فهم منارات الهدى. لا أرى مجاملة أهل البدع، ولا أرى أيضا الغلظة معهم أو مع أي أحد. وأرى أن السكوت عنهم مداهنة في الدين. أكتب للعقول المتفتحة، وأغرس حب التوحيد في القلوب المزهرة، طمعًا في أن تكون كلماتي نورًا يهدي الباحثين إلى الحق. وفقنا الله وإياكم للخير والفضيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!