القمر المنير

هل يمكنني أن أكون قمرا منيرا؟
أنا الإنسان المظلم الضعيف الذي لا قيمة له بعيدا عن توجيهات ربه ودينه؟
أتأمل في الكون الذي يلفني… لا أشغل منه غير هذا الحيز الصغير الذي يزداد ضآلة كلما ازددت انكماشا يوما بعد يوم…
من أنا؟
ولماذا أنا هنا؟
يصور لي الشيطان في أعماقي أني كل شيء… محور الكون وأساس الحياة. لكن عندما أغمض عيني، لا أرى في الظلام غير شبح نفسي يتراءى من بعيد، ساخرا أحيانا وشامتا أحيانا أخرى!
لست شيئا مقارنة بهذا الخلق العظيم… بهذه الأرض وتلك السماوات، ببحر البشر الذي يحيط بي، وببقية المخلوقات!
صحيح أنني مستخلف في الأرض لأؤدي الأمانة فيما حولي، كيف أطغى وأتجبر وأنا مأمور برحمة الحيوان؟!
أنا الضعيف العاجز المقصر الظالم إن أطلقت لنفسي الأمارة العنان…
لكني سعيد بمن حولي من المحبين، بهم تكون الحياة… أحب الخير للناس، وأهتم وأغتم كلما ابتعدت عن طريق الصواب. تبادلني قطتي الصغيرة نفس الشعور، بمنتهى الصدق والبراءة… البراءة التي أصبح الاتصاف بها في هذا الزمن نادرا جدا.
أرى الملحد يقف بعقله المحدود على حافة الكون، متحديا كأنه قد أحاط بكل شيء، يحملق في آيات الخالق الصارخة في وجهه: «كيف تتحدى ربك أيها الجاهل؟»…
لا يعرف حقيقة الروح التي هي من أقرب الأشياء إليه!
ولا أسباب الأمراض التي تتعبه!
ولا يرى كل شيء!
ولا يسمع كل شيء، ولا يعرف كل شيء!
علمه محدود، ومع هذا هو مغرور؟
لا يربح من عناده غير لحظات موهمة من السعادة الزائفة، يضحك فيها مع صحبه قليلا عندما يسخر، فتلمع بعض الأسنان المسوسة ساعة، ثم يعود الظلام لابتلاع الضاحكين…
إن التأمل في دقة الحياة واتساقها يزيدني يقينا بعظمة الخالق وبضعفي.
أنظر إلى أصغر المخلوقات، فأجد فيها من الإتقان ما يعجز الإنسان عن إيجاده من العدم، ثم أعود إلى نفسي فأعجب: كيف وجد الغرور طريقه إلى ذلك المخلوق الضعيف؟
ألمجرد أنه صنع بعض الروبوتات واخترع الذكاء الاصطناعي؟!
أين علمه كله من خلق ذبابة واحدة؟
وفيها من التعقيد والإتقان والذكاء ما لن تبلغه صناعته أبدا!
أتأمل في الاختلافات التي شغلت الناس عن أبسط الحقائق!
أتأمل في القرآني، عجبا له من بعيد!
وعجبا للكبر والعناد، فهما أصل كل المصائب.
يزعم أنه يأخذ دينه منه، وهو لا يحسن حتى تلاوته!
ويسمي تفسيره تدبرا، ويقرأ «مكيال» بدلا من «ميكائيل»!
ويرفض هيئة وصفة الصلاة؟!
أتأمل في الصوفي الجريح الذي غرز فيه شيخه خنجره المسموم…
يهرول خلفه كالمسحور، لا يلوي على شيء!
يتبع طريقة لم يعرفها النبي ولا أصحابه ولا علماء القرون الأولى!
آه منهم جميعا!
هذا يخاصم في الحق بغير برهان، وذاك يتبع شبهة، وثالث يركض خلف شهوة، ورابع يعتقد أنه بلغ من العلم ما لم يبلغه غيره… وكل فرح بما أوتي من ضلال!
وأبرز صفة فيهم جميعا هي الكبر على ضعفهم!
أتأمل في المذنب الذي تعود المعاصي، فأراه يلهث خلف الشهوات يتبع السراب دون كلل أو ملل، رغم ما في ذلك من عناء وشقاء!
يحب النسوان ولا يمل منهن، حتى إن بصقن جميعا على وجهه أو سلبنه ماله وراحته!
أتأمل في صاحب الشبهة ـ وهي أعظم ـ يعاند الحق وأهله، لأن الرجوع يتطلب تواضعا، وهو لا يعرفه.
حقا إن الكبر هو أساس كل الشرور!
ألا يعلم أن الشيطان يزين له القبائح؟
كم من قبيح أراه جميلا، وكم من جميل أراه قبيحا، بالتزيين، سلاح الشيطان الذي أخرج به أبانا من الجنة، ولا يزال يُخرج به من بني آدم حتى اليوم… والعياذ بالله.
أنا القمر المنير في عالمي الصغير، الذي تزينه سماء واسعة مرصعة بالكواكب، ويملؤه هواء يشفي العليل، وتسطع فيه شمس تنير الوجدان، وقمر ينير الظلام…
أنا المخلوق الباقي على فطرته، كيف أغتر بهذه الأوهام؟
أنا أساس الحياة إن سرت في طريق الفلاح…
أنا الأقوى إن تغلبت على نفسي الأمارة وشيطانها…
أتأمل في كأس الماء التي بجانبي، فأتذكر قول ابن حزم رحمه الله:
«من عجيب تدبير الله عز وجل للعالم أن كل شيء اشتدت الحاجة إليه كان ذلك أهون له، تأمل ذلك في الماء فما فوقه. وأن كل شيء اشتد الغنى عنه كان ذلك أعز له، تأمل ذلك في الياقوت الأحمر فما دونه».
لا يستطيع إنسان الإستغناء عن الماء مهما علا شانه، ومع ذلك هو قريب متاح بحمد الله. ويتقاتل الناس على ما يمكنهم العيش بدونه من كماليات كالمُلك والوزارة والجاه والغنى، وكل ذلك الذي سيتركونه خلفهم يوما!
فلماذا التعقيد؟
لماذا تحويل الوسائل إلى غايات؟
لماذا نسمح للمال والشهوات باستعبادنا؟
الحياة أبسط من هذا: فيمكن أن تعاش بالحق والصبر الذي لابد منه في الإمتحان.. خير نسعى إليه جهدنا، وشر نستعيذ بربنا منه ومن أهله.. نفس تحتاج إلى تهذيب، وشيطان يحتاج إلى مقاومة، وطريق له نهاية، قد أفلح من سلك مرتكزا على التقوى.
أنا القمر المنير…
صدق أو لا تصدق.
ليس لأنني أعظم من الآخرين، ولا لأنني بلغت الكمال.
بل أنا القمر المنير في عالمي الصغير إذا عرفت ربي، واتبعت التوحيد، وأحببت الخير للناس.
إذا حافظت على فطرتي، ولم أغتر بأكاذيب الشيطان.
إذا هزمت نفسي الأمارة، وابتعدت عن الحرام، وسرت في طريق الخير والصواب.
إذا دعوت ربي أن يهديني ويسدد خطاي، وعملت ما أستطيع من الخير، وتجنبت الضياع…
حينها فقط أستطيع أن أقول:
نعم، يمكنني أن أكون قمرا منيرا بنور الهداية وحده.



