مجموعة القصص

الرقم 11

لا أزعم أني الوحيد في هذا المضمار، لكني كنت من المتميزين فيه، بل ربما بلغت يوما مرتبة لا ينازعني فيها كثيرون: مرتبة من الطيبة تجاوزت حد الفضيلة حتى انتهت إلى السذاجة.

كنت وديعا إلى حد تجنب مزاحمة النمل في طريقه، محبا للخير، عطوفا على الناس، رغم كل ما غمروني به من إساءات وجحود.

كانت أسلحتي تتلخص في سلامة الصدر، وحسن النية، والابتسامة الواسعة، وكانت بساطتي المفرطة سببا في اقتحام الانتهازيين لعالمي الصغير. كنت، في نظرهم، أفضل ضحية يمكن استغلالها، وكان تذاكيهم كلما حاولوا تحقيق مآربهم الخسيسة يثير اشمئزازي، لكني لم أكن أبخل عليهم بمتعة الانتصار، فآمنوا بضعفي وغبائي، وازدادوا ثقة في قدرتهم على انتزاع كل ما يريدون مني، بكل وسيلة. كانوا يكذبون، ويغشون، ويحتالون، وكنت بصمتي أؤكد لهم، مرة تلو أخرى، أنهم صادقون.

تركت الإساءة تمر الواحدة تلو الأخرى حتى تحولت إلى قاطرة تجر خلفها آلاف الإهانات، فازداد الامتهان والاحتقار حتى غدا لا يطاق، وتعالت في أعماقي صيحة تحذر من ذلك النوع من الخنوع.

الرقم 11

اسمي X… أو المجهول… أو الساذج الذي اعتقد الانتهازيون أنه بلا قيمة.

الساذج الذي عكروا صفو براءته بإساءاتهم المتواصلة، حتى أجبروا طيبته على الانقلاب.

الساذج الذي دفعوه إلى إبراز مخالبه، فانطلق كوحش يحطم كل ما يعترض أنانيته، متخلصا من كل ما كان يثقله من صفات حميدة، وعلى رأسها البراءة والوضوح.

الساذج الذي لم يعد يميز أبيضا من أسود، ولا صالحا من طالح، ولم يعد له من هدف سوى الركض مع الوحوش، والفوز بالشهوات.

الساذج الذي لم يعد يرى في الناس بشرا، بل درجات يصعد فوقها إلى أمجاد زائفة.

الساذج الذي نزع عن المنافقين وريقات التوت التي تستر قبح بواطنهم، وأراهم أن ثامن المستحيلات هو أن يضحكوا عليه من جديد.

الساذج الذي تحول، مع مرور الوقت، إلى الوحش رقم 10… آلة الدمار التي لا تعرف للخير معنى، ولا للرحمة طريقا.

ومرت الأيام تتهادى كالمرأة المثقلة، وازدادت الحياة بؤسا وقبحا، واشتد الضنك والشقاء حتى غدا كل شيء لا يطاق، ولم يعد أمامي، لاستعادة صفائي المفقود، إلا التمرد على الرقم 11… ذلك العدو الخفي الذي يوسوس بالقبائح، ويقف خلف كل مآسينا.

الرقم 11

وأخيرا وقعت المواجهة بيني وبينه، وكان الإيمان، الذي طالما أهملته، خير سند لي. قلت لنفسي يومها: عليك أن تنتصر على هذا العدو؛ فهو أصل كل بلاء.
وحمي الوطيس، واشتد الظلام، وتعالت الهمهمات، وارتجت الأرض تحت وقع الضربات، ثم انقشع الغبار عن طريق جديد؛ طريق الخير والصواب.

أخيرا انتصرت على أنانيتي، وتركتها تنزف على قارعة الطريق، بعد أن محوت من ذاكرتي كل ما يمت إليها بصلة. أخيرا هزمت اللعين، وتركته يلعق جراحه… في انتظار انقضاضة أخرى.

إن صفحة جديدة من حياتي تتفتح كوردة جميلة في هذا الصباح، لكن النهاية ستفرض نفسها يوما، وحينها سأعرف: هل انتصرت في المعركة حقا، أم كنت من الخاسرين؟

تمت

الرقم 11

مستوحاة من عالم X-Men

سيد محمد

كاتب قصصي محب للحكاية، أؤمن أن وراء كل قصة فكرة، وفي كل قصة معنى يستحق التوقف عنده. أكتب لأقرب الحلم من الواقع، وأشارك تأملاتي وتجاربي في محاولة لفهم هذا العالم والإسهام فيه بشيء ينفع الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!