عود الثقاب

لقد أصبح الظلام كثيفا خانقا… إن أنفاسي اللاهثة تبحث عن مخرج، لكن الطريق يزداد وعورة… الشباب الذي ذبل يسخر منا… إلى متى، يا صديقي، نبحث عن السعادة في هذا الطريق المظلم؟
اسمع… لم أعد قادرا على المواصلة، ولم أعد أرى شيئا مما نسعى إليه يستحق العناء… لقد تعبت وهرمت.
صاح:
ـ تفاءل يا غراب الشؤم، وستنير لنا الدنيا كل طريق.
تمتمت بسخط:
ـ ألا سحقا للضحكات المحرمة… كم سئمتها.
ـ اصمت… أنصت… أتسمع أيها الأطرش؟
إنه دبيب إحداهن… إنها قريبة… سأشعل عود ثقاب لنرى ذلك الجمال الفتان.
ـ احذر… كدت ترتطم بها، أيها الأحمق.
ـ ما أقربها!
ـ كيف حالك أيتها الشابة الجميلة؟
ـ بألف خير.
ـ إلى أين أنت ذاهبة؟
ـ بل قل: من أين أنا عائدة، أيها الأحمق؟
شقت ضحكة حامل الأعواد الظلام كبرق ساطع في ليلة ممطرة، وهتف بمرح:
ـ المهم أننا عثرنا على من يؤنس وحدتنا في هذه العتمة الكئيبة.
قالت في استخفاف:
ـ لكنكما كهلان… أنا لا أتحدث مع الكهول، ولا أحب من يكبرني بقرن من الزمان.
أضحكت مزحتها قلبي المنهك، الهائم وراء أوهام الحب… تذكرت أيام الشباب الخالية… يومها لم تكن شابة تجرؤ على ردي بكلمة… كنت، والمنافق، ثنائيا ناجحا في هذه الطريق… لم يكن يوما في المستوى، لكن كان يكفيه أنه يرافق نجما وسيما مثلي… يا لها من أيام!
أما اليوم، فنحن على مشارف الستين… للأسف.
اقتربت من الفتاة حتى تتبين بقايا معالمي الجميلة… من يدري، لعلها تعطف وتغير رأيها.
صحت في حامل الأعواد:
ـ قرب العود المشتعل من وجهي، أيها الحسود.
ضحك مليا، وقال:
ـ وعلى ماذا أحسدك، أيها الأشمط المخبول؟
ضحكت الشابة، وقالت:
ـ يبدو أنكما خرجتما من غير اتفاق… أما الصيادون فيتفقون أولا.
قلت بتذمر:
ـ أنت لا تعرفينه… هذا المخلوق الخبيث يحسدني من أعماق قلبه.
أبعد العود عن وجهي، وازداد قربا من الفتاة، وهو يهمس بفحيح كثعبان:
ـ دعك من هذا الخرف… يتوهم أنه أجمل كهل في العالم.
ضربت كلمة “أجمل” في نافوخ الشابة، فخطفت العود من يده بحركة طائشة لم أستغربها، وقربته من وجهي وسط لعناته المتتالية. أخذت تتأمل ملامحي المتهالكة في تدقيق حتى أحسست بالحرج والارتباك، ثم اهتزت على وجهها الصغير ابتسامة غامضة.
تأملت الشيب الذي احتل فودي، وهتفت:
ـ فيك بقايا جاذبية قديمة جدا… لكنك الآن مجرد قرد عجوز أشيب… ومع ذلك فأنت أجمل بمراحل من هذا الشيطان الملعون.
أطلق ضحكة صاخبة وهو يتقطع مرارة. ما أخبثه، كم أكرهه! مذ عرفته وهو ينافسني بكل وقاحة ودناءة، حتى زوجاتي المسكينات، اللواتي طلقتهن جميعا بسبب غيرتهن من العابثات، لم يسلمن من معاكساته وطمعه البغيض.
كان شيطانا ماردا… كم هممت أن أقطع صلتي به، لكنه كان خير مشجع على الاستمرار في هذا الطريق. لكني سأتركه قريبا… سأرفسه هو وأعواده البراقة، وأعود إلى الطريق الصحيح لأستريح من هذه الخزعبلات.
ابتسمت الفتاة ابتسامة ساحرة… أنا أعرفهن جيدا، فما إن تقع إحداهن في حفرة الحب حتى يفضحها وجهها، وتشي بها حركاتها وسكناتها.
لكنها في سن حفيداتي… لا يعقل أن تكون صادقة في حب شيخ مثلي.
كم أكره أكاذيبهن… وكم ألعن هذا الطريق.
صاح حامل الأعواد:
ـ أسمعت؟ أنت مجرد قرد عجوز.
لم أعره اهتماما، فأنا أعرفه جيدا… لن يشفى أبدا من الحسد.
قلت للفتاة:
ـ لقد سحرني شبابك، وجمالك، ودلالك.
هتف بحنق، قاطعا حبل أفكارها:
ـ وأنا أيضا.
قالت:
ـ وكيف تبينت معالمي الجميلة في هذا الظلام، والحاسد يتعمد إبعاد أضواء الأعواد عنا؟
قلت:
ـ يكفي أن وجهك الجميل ينير لي الظلام.
قهقهت بسعادة:
ـ كذاب…
ملت على صاحبي، وهمست في أذنه:
ـ ألم أقل لك أنهن جميعا سواء؟ ما فيهن كبيرة ولا صغيرة، ولا عندهن كبير ولا صغير… كلهن نساء.
دفعني جانبا، وقال منصرفا إلى الفتاة:
ـ أنا أكثر منه مالا ووسامة… يمكنني إسعادك، وسترثين الكثير.
صحت فيه بغضب:
ـ ألم تعاهدني ألا يكون لمالك دخل في منافستنا؟
رد ببرود:
ـ الحرب خدعة… يا صديقي.
خطفت الفتاة عود الثقاب من يده، وتأملت وجهه باهتمام، ثم هتفت بضجر:
ـ اللعنة على الدمامة!
ورمت إليه العود.
تعالت ضحكاتي وضحكاتها، ثم أردفت:
ـ وجه صاحبك وجه شيطان مجنون!
همس لها:
ـ المهم هو المال… فلا تنخدعي بهذا الفقير.
صحت بغيظ:
ـ تعسا لك، وللمال، وللطريق!
تهللت أساريره، وأخرج رزمة من النقود، ورمى بها إلى الفتاة قائلا بسعادة المنتصر:
ـ افرحي بشبابك بعيدا عن هذا التعيس.
توقدت عيناي غضبا، وشويته بنظرة حارقة، وهتفت:
ـ سحقا لك أيها اللئيم… وسحقا لكل أموالك!
غمزتني الفتاة بعينها وهي تبتسم، وقالت:
ـ معذرة يا حبيبي… حبذا المال ولو كانت معه دمامة.
تأملتها بسخط، ثم نفخت في عود الثقاب الذي يحمله، فعاد الظلام يبتلعنا.
تعالت الضحكات الماجنة من حولنا.
أشعل صاحب الأعواد عودا جديدا… وارتطمنا بعابثة أخرى.




