مجموعة القصص

فتاة العربة الأخيرة

حين ترتطم النظرات الهائمة بجدار من الصمت

قصة قصيرة مؤثرة عن الخجل الشديد، وقصة حب تضيع بسبب التردد والخوف من المبادرة، حين يحرم الصمت صاحبه من أجمل فرص الحياة.

اكتظت عربة القطار الأخيرة بالركاب الذين سرت فيهم عدوى الانشراح، فتعالت القهقهات على هدير القطار الذي سرعان ما ابتلعها. جاء ذلك اليوم صحوا بعد شهر طويل من الأمطار المتواصلة، فداعب هواؤه المنعش النفوس المتعطشة للراحة والصفاء.

وفي ركن قصي من العربة جلس شاب عشريني، بدا من تجهمه أنه لا يشارك الآخرين بهجتهم. راح يتأمل الوجوه المبتسمة من حوله، والأسنان التي تبرق كلما انفجرت ضحكة، كأنها تختزل أفراح الدنيا كلها.

لم يكن حزينا كما يوحي مظهره، بل كان أقرب إلى الانشراح منه إلى الانقباض، ولعل لجمال الهضاب الخضراء التي كانت تنساب من حوله نصيبا في سريان تلك اللذة الغامضة في أوصاله.

ود لو قهقه بأعلى صوته مثلهم، أو وقف بينهم يتجاذب معهم أطراف الحديث في أتفه الأشياء، لكن القوة الخفية التي تقيده منعته من ذلك، فاكتفى بالمراقبة، كعادته.

لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره. كان وسيما محبوبا لدى من عرفه، غير أن خجله المفرط كان عيبه وعدوه الوحيد؛ أذاقه الهوان، وأضاع عليه أجمل الفرص. كان يعجز عن التعبير بكلمات مترابطة، وعن مواجهة الأعين البراقة التي لا تمل من التطلع إليه.

شق القطار طريقه وسط المروج الخضراء، باسطا جناحيه على السكة كطائر يحلق في السماء. أرسل بصره عبر الزجاج، فترددت في أعماقه تلك الجملة التي طالما همس بها عند العجز عن الوقوف إلى جانب فتاة تعجبه:

لست جبانا إلى هذا الحد… أنا لا أخشى الأسد، فكيف أخاف من فتاة رائعة الجمال؟!
ولنفرض أن الأمور ساءت بعد محادثتها، ألن أكون المنتصر في أي معركة تندلع بيننا؟!

قطع خواطره بعنف، وتمتم معاتبا نفسه:

“مهلا… كم أنا أحمق!”

أدار عينيه إلى الناحية المقابلة، فكانت المفاجأة… فتاة جميلة مشرقة تجلس في مواجهته، تتأمله بإعجاب.
حول بصره عنها بسرعة البرق إلى المروج السابحة في الاتجاه المعاكس، على عكس عينيها. كانت أجمل فتاة شاهدها في حياته. همس لنفسه:

“يا للسخرية… فتاة رائعة أمامي أنا! مهلا، لم لا أدقق النظر فيها مثل الجميع؟! ما الذي يمنعني؟! كم أنا رعديد… سأنظر إليها الآن، وإن انقلب القطار بمن فيه!”

قصة حب

حاول إدارة وجهه نحوها بعناد، فأحس كأن عنقه قد تيبس فجأة. وبمشقة تمكن من استراق النظر إليها، فكانت المفاجأة… لا تزال تنظر إليه بشغف، ويفيض الإعجاب من عينيها الواسعتين المخضرتين.

حول عينيه عنها بسرعة، وتمتم في خفوت: “المسكينة… تنظر إلي أنا! يا للمهزلة… سأحاول التلهي بأي شيء حتى لا أفقد الوعي، فقد بدأت النوبة تجتاحني بعنف غير مسبوق، لفرط جمالها… بدأ جسدي يرتجف، وتحول عرقي إلى مطر ثان في هذا اليوم البديع، وسيلي ذلك تيبس حلقي وأطرافي، وربما أفقد الوعي دون سابق إنذار.

سألهو قليلا بالركاب حتى أنساها… بالمناسبة، لقد خف ضجيجهم، يبدو أن أكثرهم نام… مهلا… ما شأني بهم؟! عديمو الفائدة… علي أن أهتم بالمصيبة الجميلة التي تجلس أمامي، وتكاد تلتهمني بنظراتها… لم لا أحدثها حديثا شيقا يبقى ذكرى للزمن؟! هيا… دع الجبن جانبا، وتحدث إليها، ولو لتمضية الوقت، يا جبان.

سأسألها عن الساعة؟! ولكني أحمل ساعة باستدارة وجهي… سأسألها عن اسمها، لكن ماذا لو صاحت بغضب: “لا يعني أهلك يا جبان!”… من المؤكد أنها ستكون نهايتي…
سأحدثها عن الجو البديع الذي يحتضننا… عن اليوم الرائع الذي يحتفل بلقائنا… عن الشاب البريء العاجز الذي يحلم بأن تكون رفيقة عمره… سأحدثها عن أي شيء… لكن ماذا لو فطنت إلى الحيلة السخيفة؟! وستفطن قطعا… هيا… دع الجبن، ولا تكن كالأغبياء الذين يغازلون كالبهائم دون أدنى وعي أو تفكير.

سأتأكد من صلاحية الأرض قبل الهجوم، فمن يدري؟ ربما تكون نائمة أو عابسة، فأنا لم أنظر إليها منذ ربع ساعة… رفع عينيه إليها بحذر، فكانت المفاجأة… لا تزال تسلط عليه أضواء عينيها، ويشع منهما إعجاب أحس بدفئه يغمره. كان واضحا أنها تشجعه على اتخاذ الخطوة الأولى…

صرف بصره عنها بسرعة وهو يرتجف كعصفور مبلل في يوم بارد مطير. تمتم: “ها قد تأكدنا من أن أي سؤال، مهما بلغت سخافته، سيلقى قبولا لديها… ولكن دلائل الخذلان بدأت تظهر… بدأ الخرس ينسج خيوطه على فمي، وبدأت قدماي تتصلبان… هيا… سيطر على أعصابك يا جبان، وأثبت لها أنك موجود… هيا، كلمها، وليكن ما يكون… لقد بدأت النوبة تشتد… إني أختنق… دقات قلبي تتسارع كأنها في سباق خيل… سأكلمها الآن… وليكن ما يكون!

أدار عينيه نحوها بإصرار، ثم حولهما بسرعة البرق إلى الجهة الأخرى، وغمغم: “لا تزال تلتهمني بنظراتها… ليتها تبعد عينيها عني قليلا لألتقط أنفاسي وأكلمها…”.

قصة قصيرة مؤثرة

جاهد من أجل تحريك شفتيه المتصلبتين، بلا فائدة… كانت الفتاة قد رسمت على وجهها ابتسامة زادتها إشراقا وجمالا… لكن المسكين أطبق فمه، وأطرق بعنف وهو يتمتم: “لقد قضت ابتسامتها الجميلة على ما تبقى من شجاعتي… لم أعد أستطيع النطق بكلمة واحدة!”.

بدأ القطار يخفف من سرعته في تلك اللحظة، استعدادا لمعانقة المحطة التي تستقبله كغائب طال انتظاره. تمتم بارتباك: “ها قد وصلنا… كم أنا محظوظ… لو بقيت في هذه الأجواء لحظة واحدة أخرى، لحدث ما لا تحمد عقباه”.

استعد القطار للتوقف بعد أكثر من نصف ساعة من الاندفاع، فهب واقفا كمن لدغته عقرب، وخطف حقيبته بارتباك دون أن ينظر إلى الفتاة، وأسرع خارجا يتعثر في أذيال خيبته. وما إن أصبح خارج المقطورة حتى توقف يلهث من فرط الانفعال، كمن نجا لتوه من عدو كان يطارده. أحس بقوة خفية تدفعه إلى إلقاء نظرة أخيرة عليها، فالتقت الأعين عبر الزجاج. كانت لا تزال متسمرة في مكانها، وهذه المرة شعر برغبة صادقة في أن يدقق في عينيها الجميلتين الواسعتين. خيل إليه أن حزنا عميقا سكنهما بعد البهجة التي كانت تملؤهما قبل لحظات. حول عينيه عنها بأسى، واندفع خارج المحطة.

قصة حب

وما إن أصبح خارجها حتى غمغم:

“لقد أشفقت علي المسكينة بدل أن تلعن جبني مثل الأخريات… حملقت في بذهول وأسف على تضييعي للفرصة الثمينة… لن أنسى أبدا وجهها الجميل ولا عينيها الحالمتين… حقا أستحق الشفقة… واللعنة أيضا”.

تسمر في مكانه فجأة، وهتف بإصرار: “هذه المرة لن تكون مثل سابقاتها… هذه المرة سأرجع إليها، وأضع يدي في يدها، وأجعلها ترافقني في رحلة الحياة”.

هرول عائدا إلى القطار المتوقف، وكاد يعدو وهو يقترب من العربة الممتدة بمحاذاة الرصيف. أحس بحماس غريب يجذبه إليها، وبالخجل يتلاشى أمام سطوة الحب وجمال الحياة.

أحس بالسعادة تزفه بشارة الاستقرار… أخيرا سيفتح البيت الذي لا غنى عنه على شارع الحياة لكل من ينشد الدفء والاحترام إلى جانب حبيبة يسعدها وتسعده.

تمتم وهو يلهث من فرط الانفعال: “هذه المرة لن تمنعني أي قوة من الغرق في عينيها الواسعتين، ولن يحول بيني وبين اتخاذها رفيقة درب أي شيء”.

وصل إلى العربة الأخيرة في تلك اللحظة، فألقى عليها نظرة متلهفة يبحث عن مفتاح سعادته، لكنها كانت خاوية لا أثر للحياة فيها. هرول بلهفة في كل الاتجاهات بحثا عنها، ولكن بلا جدوى، كأن الأرض انشقت وابتلعتها.

قادته قدماه بيأس إلى الصالة الواسعة التي تعج بالمسافرين، ومنها إلى الشارع الفسيح.

قلّب عينيه في بحر البشر المتلاطم أمامه، وتمتم في يأس: “ضاعت في الزحام!”

تمنى أن يجد مكانا يختلي فيه بنفسه، ليذرف بعض دموع القهر التي احتبست في عينيه، بعيدا عن الأعين المتربصة بأمثاله، لكن ذلك كان سابع المستحيلات في تلك المدينة البيضاء المكتظة النابضة بالحياة. وضع يديه في جيبي بنطلونه، وألقى رأسه على صدره في يأس وأسى، وضاع هو الآخر في الزحام.

تمت

من كواليس كتابة القصة:

كتبتها في القطار بين الرباط والدار البيضاء، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، في يوم مشرق جميل، حين كنت طالبا بكلية العلوم بمدينة تطوان ومرتيل الجميلتين.

ويبقى سؤال واحد معلقا: هل كانت تجلس بالفعل في المقعد المقابل لي فتاة رائعة الجمال بعينين واسعتين مخضرتين، أم أن الخيال أضاف إليها شيئا من عنده؟ الحكم لك.

فتاة العربة الأخيرة

إقرأ أيضًا: كيف تتخلص من الخجل وتنطلق بلا قيود؟.

سيد محمد

كاتب قصصي محب للحكاية، أؤمن أن وراء كل قصة فكرة، وفي كل قصة معنى يستحق التوقف عنده. أكتب لأقرب الحلم من الواقع، وأشارك تأملاتي وتجاربي في محاولة لفهم هذا العالم والإسهام فيه بشيء ينفع الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!