اللاعب الصغير

كان في التاسعة من عمره، أسود البشرة كظلام الليل، نحيل العود، يميل وجهه إلى دمامة تخفي وراءها الكثير من صفاء الروح… وكنت في الثلاثينات، عاطلا عن العمل، محبا للخير والناس…
كان ما يميزني تهافت الضعفاء والمنبوذين علي… كأنهم كانوا يجدون فيَّ الأمل الذي يعيد إليهم ثقتهم في أنفسهم والناس، وبسمتهم المفقودة التي تحجبها الأحزان… ولطالما تندرت مفتخرا بأني صديق المستضعفين والمجانين…
أحببت كرة القدم منذ الصغر، وتميزت فيها جدا، ورغم ذلك كانت الهزائم التي لا أطيق تلاحقني بسبب التفاف الضعفاء ـ والمنبوذين حتى في الكرة ـ حولي… لكن فرحة الانتصار كانت تنسينا ذلك العناء، خاصة إذا كان الفريق الآخر قويا شرسا يضم بعض المتباهين…
كانت نظرة الاستخفاف التي أراها في الأعين تجاه أولئك المساكين تولد في أعماقي الرغبة في المنافسة بهم، والفوز بهم على كل من يحتقرهم، لإثبات أنهم ليسوا أقل منه في شيء…
لكن ضعف مستوى الحارس منهم تارة، وسهولة تجاوز المدافع المثقوب تارة، وانعدام ذكاء المهاجم البطيء تارة أخرى، كان يضطرني في كثير من الأحيان إلى الصراخ فيهم مؤنبا، طاردا مرة، وراميا بالحجارة مرة أخرى، حتى كاد ذلك يذهب جميلي عند أكثرهم…
وكان ذلك يضحك الخصوم علي أكثر منهم، لكن متعة اللعبة كانت حاضرة، والتحدي كان قويا، فكانت أياما جميلة لا تنسى…
كان أول لقاء لي به في الملعب الأولمبي في نواكشوط. رأيته واقفا بمعزل، منفردا لا يتجرأ على طلب الانضمام إلى أي فريق مثل بقية الصبية والمراهقين… رث الثياب متسخها، بائس القسمات، فناديته ليحرس المرمى رغم صغر سنه قياسا إلى تلك المهمة العظيمة، ففرح بالنداء فرحا شديدا، وأبلى بلاء حسنا كأنه في قتال…
وبعد نهاية المباراة أخبرت اللاعبين بأني سأجلب كرتي في الغد من أجل مباراة أخرى… ووجدته في الغد حاضرا ينتظرني على أحر من الجمر… حاول الاقتراب مني بخجل، وتلعثم بكلمات مترددة لم أتبين أكثرها، فأحسست وأنا أدقق النظر فيه بأنه من الفصيلة التي تميل إلى صحبتي. والحقيقة أني لم أعره اهتماما، فقد كنت منشغلا بالكرة التي بين قدمي أكثر منه، وكان يحاول بين الحين والآخر الهجوم بهمة لا تخفى، رغم إمكانياته الكروية المحدودة، مثبتا أنه عنصر أساسي في الفريق…
كان يلف فخذه برباط، فسألته عن السبب، فأخبرني بأنه يقلد أحد اللاعبين المشهورين…
في الحقيقة استحيت من أن يرتبط مثله بمثلي، أنا الذي كنت أودع شبابي، ولم أعد أمارس الرياضة إلا للرياضة، هربا من الملل والمنزل… ولو عرفته في الصغر لأوليته من العناية ما أوليت أمثاله… مثل ذلك الأبكم الذي كنت أفرضه على الآخرين رغم تذمرهم من مستواه المتدني في الكرة… كان يلعب كدابة، وكان يضحكنا بتقليده للنساء عندما يلبس ملحفة ويتزين، خارجا إلى شوارع «حي ك» الجميل، محاولا إغواء المارة…
كان ذكيا لا يعيبه إلا عجزه عن الكلام، وهو أمر خارج عن طاقته… تعرفت عليه في «المقاطعة الخامسة» صغيرا، واستمرت معرفتنا بعد انتقالنا إلى «بو حديدة» الجميلة، ثم إلى «حي ك» في أواخر الثمانينات…
دهنت مرة حاجبيه بالفحم وهو نائم، فاستيقظ بوجه غير الذي نعرف، وأخذنا نضحك، وهو ينظر إلينا بحيرة، متبسما مستغربا، لا يدري ما سبب ضحكنا…
المسكين… ليتني أقدر على إسعاده وإسعاد كل من عرفت في ذلك الزمن الجميل…
أو ذلك الصديق الآخر النحيل الذي كان الآخرون يتهمونه بالجنون. كان مشوش الفكر بمعنى أصح، لكنه لم يكن مجنونا… كنت أقربهم إليه، ربما لأني صادقته بإخلاص ولم أسخر منه مثلهم…
خرجت معه مرة في سيارتي المتواضعة التي أهداني الوالد بعد التخرج، سيارة الشباب، ولعلها كانت الأكثر شهرة في العاصمة حينها… كنا نتسكع بها بين الأحياء في مغامرات تبدأ مساء وتنتهي بعد منتصف الليل بساعات، وكانت أياما بريئة جميلة طوى النسيان أكثرها…
خرجنا يوما بها فوجدنا فتاتين، فطلبت إحداهما منه أن يشتري لها بعض السجائر، وكانت تطمع في علبة كاملة ـ وذلك هو المتوقع من فتى الأحلام الكريم ـ فعاد من الدكان يحمل ثلاث سجائر، وناولها إياها، فصاحت فيه:
ـ إذن هو الطلاق بثلاث؟!
فضحكنا عليه حتى الصباح…
ناهيك عن الضعفاء الآخرين في الكرة الذين ابتليت بالهزيمة بسببهم، مع أني لا أستحقها، فأنا لاعب مميز كما أخبرتك، وبشهادة الجميع…
لكن رغم الهزائم، كنا ننتصر بجهدنا وتعبنا، ونستمتع بقهر الأقوياء. وإن كان ذلك نادرا، فقد كان التوفيق يحالفنا أحيانا بما يكفي لإبقاء التحدي حيا…
صحيح أن مستوى أصحابي البؤساء كان يثير غضبي واشمئزازي في آن واحد، لكن ذلك كان طبيعيا، فلا أحد يستطيع الصبر في كرة القدم على الهزائم المتتالية.
ورغم ذلك كله، كنت متشبثا بهم أكثر مما هم متشبثون بي… ربما للتحدي الذي كان بيني وبين المميزين، فقد أحببت الانتصار عليهم بالضعفاء.
وكان الفوز فرحة لي ولهم، تذكرهم بأن من حقهم أيضا أن يفوزوا مثل الآخرين…
توارت الشمس خلف الأفق، فقررنا وضع حد للمباراة على أمل اللقاء في الغد، فتفرق اللاعبون في كل اتجاه كأن لم يجمعهم ملعب ولا منزل… لكن المسكين انتظرني حتى جمعت حوائجي، ورافقني على استحياء…
تأملت هيئته الرثة، وكلماته الخجولة التي بالكاد تخرج من فمه، والتي كانت تخفي وراءها ثقة متضعضعة في النفس والحياة… رثيت له كثيرا، وحاولت تشجيعه بمحادثته ليسترجع بعض ثقته المسلوبة، فذكرني بتلك الفصيلة القديمة التي تستحق الشفقة أكثر من اللعنات التي كنت أصبها عليها في الملعب بعد كل هزيمة…
كان حديثه إذعانا دون قيد أو شرط، وكانت نظراته الزائغة تبحث عن مكان آمن تستقر فيه…
قلت له مشجعا إنه أبلى بلاء حسنا في المباراة، فتراقصت السعادة على محياه الصغير، وعرفانا منه بالجميل، نصحني بأن أذهب بكرتي المثقوبة إلى من يصلحها لي، بدل رميها مثلما رمته الحياة…
وعند مفترق الطرق كان أحد أصدقائي ينتظرني لمرافقتي، فلاحظ الصغير ذلك وخفف من سرعته ليتركنا على راحتنا، ربما بسبب الخجل، أو لأني أطلت السكوت على أمل أن يودعني ويذهب في حاله…
تبعني باستحياء دون أن ينبس ببنت شفة حتى وصلت إلى صاحبي… عندها خرج ثلاثة أطفال مشردين من العدم، يحمل كل واحد منهم إناء متسخا يجمع فيه الصدقات… أقبلوا عليه وأخذوه بعيدا في متاهات الحياة… حيث المباراة الحقيقية التي يلعبها الجميع… كل في مكانه…




