تجربتي الفاشلة مع جائزة شنقيط.. ماذا تعلمت على كبر؟

روايتي المتواضعة – رواية انتظرت أكثر من خمسة عشر عاما، ودروس كان ينبغي أن أتعلمها قبل الكهولة والترشح.
ادخل في الأمور بقوة؛ فالتردد والتواني يجعلان الواحد لا داخلها ولا خارجها، يصبح بين البينين مثل المنافقين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ولا يستفيد شيئا، ولا يتعلم من خطوات تقدمه نحو الأمام.
حين أعلن مجلس جائزة شنقيط المحترم نتائج جائزة شنقيط 2026، كانت جائزة الآداب والفنون من نصيب الأستاذ عمر بن إسحاق، عن تحقيقه كتاب «منار الحائر في ترتيب النوادر» للعلامة عبد الله بن أيبيه. وهو بطبيعة الحال عمل يحترم ويقدر.
وأبدأ بتهنئة الفائز، متمنيا له التوفيق، وللجائزة مزيدا من النجاح في خدمة الثقافة والعلم والأدب في بلادنا.
قال لي صديق، ولعله محق: لن ينظروا إلى روايتك حتى، فالجائزة أكاديمية متخصصة، وأنت تتقدم بمسودة عجيبة غريبة ساخرة من نفسها قبل غيرها!
شاركت بروايتي «أسد الجمهورية» في جائزة شنقيط للآداب 2026، ولم يحالفني الحظ.
ولا أجد في ذلك ما يدعو إلى الاعتراض؛ فالمسابقة بطبيعتها لا يفوز فيها الجميع، وليس كل من أعجبته أفكاره أو شخصيات روايته ملزما بأن يعجب بها المحكمون أو الناس.
والحقيقة أنني خرجت من هذه التجربة ببعض الأسئلة عن الجائزة، وبأسئلة أكثر عن نفسي وعن رواية تركتها في الدرج أكثر من خمسة عشر عاما، ثم قدمتها إلى مسابقة أدبية قبل حتى أن أنقحها تنقيحا كاملا، أي بعجالة، وقبل منحها ما تستحق من المراجعة والتنقيح.
ولعلني كنت أتوقع من لجنة التحكيم ما لم أفعله أنا: أن تصبر على مسودتي، وتستخرج ما فيها من أفكار، وتتجاوز ما فيها من عيوب، ثم تمنحني الجائزة فوق ذلك كله!
أحلام، يعني.
وهذه مهمة ثقيلة، حتى لو كانت اللجنة مؤلفة من ملائكة، فكيف وهي من البشر الذين لديهم ما يكفيهم من مشاغل الدنيا وتوجهات؟

جائزة شنقيط 2026 بين تحقيق التراث والإبداع الأدبي
كان الفائز بجائزة شنقيط 2026 في فرع الآداب والفنون الأستاذ عمر بن إسحاق، عن عمل في تحقيق التراث. ولا أرى في فوز عمل تراثي بجائزة الآداب والفنون ما يدعو إلى الاعتراض. فتحقيق التراث عمل علمي جليل، يحفظ لنا ما خلفه العلماء والأدباء، ويعيد تقديمه للأجيال في صورة مضبوطة موثقة.
لكنني أتساءل عن مدى مناسبة جمع التحقيق التراثي والرواية والشعر والمسرح وسائر الفنون في فرع واحد، مع اختلاف طبيعة هذه الأعمال وأدوات تقويمها.
فالمحقق يشتغل على نص موجود قبله، ويتطلب عمله معرفة بالمخطوطات والمصادر والمقابلة والتوثيق، بينما يشتغل الروائي على بناء عالم وشخصيات وأحداث وصراعات، ويواجه تحديات من نوع آخر، تتصل بالبناء والإيقاع والحوار واللغة والخيال.
وليس معنى ذلك تفضيل أحد العملين على الآخر؛ فلكل منهما قيمته ومجاله، وإنما أتساءل: ألا يستحق الإبداع الأدبي المعاصر أن تكون له مساحة أوضح في جائزة وطنية تحمل اسما عريقا مثل شنقيط؟
وإذا تعذر تخصيص جائزة مستقلة للرواية وأخرى للشعر والمسرح، فقد يكون من المناسب التفكير في توزيع الجوائز على تخصصات متناوبة، أو إعلان معايير تفصيلية تبين كيفية المفاضلة بين أجناس أدبية متباينة.
وأقترح أيضا، إن سمحت الإمكانات، أن يحصل المشاركون على ملاحظات نقدية مختصرة، ولو اقتصر ذلك على الأعمال التي تبلغ مرحلة متقدمة من التحكيم.
فليس المطلوب أن يكشف المحكمون مداولاتهم، أو أن يبرروا لكل مترشح سبب عدم فوزه، وإنما أن تتحول الجائزة، قدر المستطاع، إلى مناسبة للتعلم وتطوير الأعمال، إلى جانب التكريم.
ومن المفيد كذلك التفكير في إبراز الأعمال المتميزة التي لم تفز، وتشجيع نشرها، وتوسيع فرص التعريف بها، حتى لا يكون الفوز وحده الوسيلة التي يعرف بها الجمهور الإنتاج الأدبي المشارك.
أما القيمة المالية للجائزة، فأرجو أن تجد مجالا للزيادة مستقبلا، خصوصا مع اتساع المشاركة وارتفاع تكاليف البحث والطباعة والنشر. وإن اقتسمها أكثر من فائز، فقد يحتاج بعضهم إلى إعادة النظر في مشروعاته التي بناها على مبلغها الكامل. ربما كان أحد المترشحين قد وعد نفسه بسيارة مستعملة يشتريها بثمن الجائزة أو الزواج، ثم عاد إلى بيته بخفي حنين، لم يجلب معه التقدير ولا السيارة ولا الزوجة!
والسخرية هنا من آمالنا نحن، لا من الجائزة؛ فقد نخطط لما سنفعله بالمكافأة قبل أن نعرف إن كنا سنحصل عليها أصلا.
ولا أقول إن عدم فوز روايتي كان نتيجة لطبيعة الجائزة أو معاييرها. فأنا لم أقرأ جميع الأعمال المشاركة، ولا أعرف تفاصيل التقويم الذي خضعت له. وربما كانت هناك أعمال أجود منها بكثير، وربما كان نصي يفتقر إلى مقومات فنية مهمة.
ولهذا فإن مقترحاتي لا تتعلق بنتيجة هذه الدورة بقدر ما تتعلق بتطوير الجائزة مستقبلا، وهو أمر أتمناه لها، سواء شاركت فيها مرة أخرى أم لم أشارك.

رواية كتبتها في الشباب ونسيت أن أنشرها
بدأت كتابة «أسد الجمهورية» سنة 2009، في مرحلة كنت فيها أصغر سنا وأكثر اندفاعا في التعبير والسخرية، وكانت الأحداث السياسية التي شهدتها موريتانيا، وما تثيره من نقاشات وأفكار، حاضرة في ذهني تلهمني بقوة مع ما كنت أكتب من مقالات في بعض الصحف والمواقع.
ثم مضت السنوات، وبقيت الرواية حبيسة الملفات، ومعها روايتان أخريان لا تقلان عنها غرابة، لكن بمواضيع مختلفة، حتى تجاوزت مدة انتظارها خمسة عشر عاما.
خمسة عشر عاما! وهي مدة كافية لأن يكبر الطفل ويقترب من الجامعة، وأن يتزوج بعض أبطال الحكايات وينجبوا، وربما ينقلب بعضهم على بعض!
والوقت المناسب، كما اكتشفت متأخرا، لا يأتي دائما من تلقاء نفسه، بل يجب استدعاؤه بالسعي والحركة.
وحين فكرت في المشاركة في جائزة شنقيط، عدت إلى الرواية وأجريت عليها بعض المراجعات السريعة، لكنني لم أنجز لها مراجعة أدبية نهائية تستحقها، خاصة بالاستعانة بأهل التخصص. وقد اكتشفت بعد الترشح، حين أعدت النظر في بنائها وأحداثها، أن بعض المشاهد أطول مما ينبغي، وأن بعض التأملات تتكرر مع بعض الأخطاء، وأن النهاية مزدحمة بالأحداث وتحتاج إلى قدر أكبر من التمهيد والتوازن، خاصة أنها غير النهاية الأساسية الأولى، فتلك كانت أبسط وأريح، ولا رائحة للغرباويين المزعجين فيها (الغرب).
وربما كانت الأفكار التي أعجبتني في شبابي قد حجبت عني بعض هذه العيوب.
وهذا، في رأيي الآن، هو الخطأ الأوضح في تجربتي: لم يكن ينبغي أن أجعل المسابقة أول محطة جادة لاختبار مخطوط قديم لم يكتمل تحريره، فهي مسابقة لا تنتظر أحدا.
ولا أعني أن على الكاتب نشر روايته قبل التقدم إلى الجوائز؛ فلكل مسابقة شروطها، وبعضها يقبل الأعمال غير المنشورة أو يخصص لها فئات معينة. وإنما أعني أن تكون الرواية جاهزة للنشر من الناحية الفنية واللغوية، سواء اختار صاحبها نشرها أولا أم لا، والنشر أفضل لأنه يساعد في تجاوز الكثير من العيوب، خاصة إذا وقعت بين يدي المتخصصين.
لقد كنت أبحث عن جائزة لروايتي، ثم اكتشفت أن الرواية نفسها كانت تحتاج مني إلى شيء من العناية، مثلي، قبل البحث لها عن جائزة!
عن ماذا تتحدث «أسد الجمهورية»؟
ولأنني تحدثت عن هذه الرواية أكثر من مرة دون أن أقدم تعريفا كافيا بقصتها، فقد يكون من حق القارئ أن يعرف ما الذي كتبته، وما الذي أردت قوله من خلالها.
«أسد الجمهورية» رواية رمزية ساخرة، تجري أحداثها في غابة تتعاقب على حكمها الحيوانات، وتتنازع فيها الوحوش والدواب السلطة والمناصب والمصالح، بين الانقلابات والانتخابات والوعود التي كثيرا ما تتغير بعد الوصول إلى الحكم.
تبدأ الحكاية بانقلاب يطيح بأسد الجمهورية، ويأتي بثعلب إلى الحكم، ثم تتوالى التحولات السياسية، فيحكم الغراب والذئب وفرس النهر، قبل أن تشهد الغابة تجربة ديمقراطية يصل فيها الضب إلى الرئاسة عبر الانتخابات، ثم تنقلب عليه القوى التي ساندته، وتتوالى عهود أخرى تتغير فيها موازين السلطة.
وفي موازاة ذلك، تتداخل حكايات السحر والحب والخيانة والطموح والبطالة والصحافة والمعارضة.
فهناك بومة شابة «شبيبة»، اسم على مسمى، تحب غرابا دميما يطمح إلى الحكم، فلما ناله تنكر لها؛ وغراب خجول كاتب، مثلنا، يحب بومة لا تبادله الحب؛ وبومة عجوز تحاول الانتقام بالسحر ممن تركها؛ وحمار يضحي بحبيبته أملا في وظيفة لا ينالها؛ وعصفور صحفي ناقد حاد اللسان لا يكف عن إزعاج الحكام والقراء بقلمه؛ ومعارضون يتجادلون حول الديمقراطية والإصلاح، ولا تسلم مواقف بعضهم من التناقض والطمع والخوف.
وهكذا لا تكون الغابة مجرد مسرح للانقلابات، بل صورة ساخرة لمجتمع تتشابك فيه السياسة بالحب والمال والوظيفة والوجاهة والمصالح الشخصية.
وقد حاولت الاستفادة من تراث الحكاية الحيوانية العربية، وخاصة روح «كليلة ودمنة»، بما فيه من أمثال وحكم وحكايات مضمنة على ألسنة الحيوانات، مع توظيف السخرية السياسية والاجتماعية، والمفارقة بين ما تعلنه الشخصيات وما تفعله.
والنقد في الرواية موجه أساسا إلى تناقضات الحياة السياسية والممارسة الديمقراطية، ولا سيما سلوك بعض المعارضين الذين يرفعون الشعارات ثم تختلف مواقفهم عندما تتغير مصالحهم. لكنه يتناول أيضا استبداد أصحاب السلطة والنفوذ، دون أن يجعلهم وحدهم مسؤولين عن جميع علل المجتمع.
ولا أدعي أن توظيف الحيوانات للحديث عن السياسة ابتكار جديد؛ فهذا تقليد أدبي عريق، وإنما حاولت أن أقدم من خلاله حكاية تنتمي إلى تجربتي وبيئتي، وأن تجمع بين الفكاهة والفكرة، وبين الحكاية والمثل والتأمل.
أما مقدار نجاحي في ذلك، فهو أمر أترك الحكم فيه للقراء والنقاد بعد اكتمال مراجعة الرواية.

وهل في الغابة أشخاص نعرفهم؟
هذا سؤال لم أكن أقدره حق قدره حين كتبت الرواية.
فالأدب لا ينشأ في فراغ، والكاتب يتأثر بما يسمعه ويراه ويقرؤه، ثم يعيد تشكيله في خياله. وقد تتشابه بعض الشخصيات الروائية مع أشخاص من الواقع، أو تستدعي بعض الأحداث وقائع تاريخية يعرفها القارئ، دون أن يعني ذلك أن الرواية سيرة مستترة لأحد.
ومن الأمثلة التي قد تثير هذا الالتباس قصة الضب الذي تدعمه قوى نافذة للانتقال إلى الحكم المدني، ثم يفوز بالانتخابات قبل أن تختلف مصالحه مع مصالح من ساندوه.
وقد استلهمت هذه الفكرة من ظاهرة سياسية عامة عرفتها بلدان وتجارب مختلفة، كما كان للواقع الموريتاني نصيب من الإلهام. لكنني لم أكتبها بقصد تقديم حكم شخصي على رئيس سابق، ولا أنكر أن بعض القراء قد يجدون فيها ما يذكرهم بأحداث مرت بها بلادنا.
وكذلك الأمر في بعض الألقاب الساخرة، مثل «وحوش الجمهورية» و«كلاب الأعمال» و«ثعلب الفقراء». فقد أردتها جزءا من عالم هزلي رمزي يقوم على المبالغة والمفارقة، لا أوصافا تقريرية لأشخاص حقيقيين.
وأدرك اليوم أن بعض هذه الألفاظ قد يبدو حادا، وأن ما يراه الكاتب مزحة في سياق روائي قد يراه قارئ آخر إساءة مقصودة، خاصة عندما يتقاطع مع ألقاب أو أحداث يعرفها من الواقع.
وأقول هنا إنني لم أكتب الرواية من موقع الخصومة السياسية مع الدولة أو حكام موريتانيا الذين أجلهم جميعا، بل إن موقفي الشخصي قائم على تأييد الدولة ومؤسساتها واحترام حكامها. ولا يعني ذلك أن تخلو الرواية من نقد التسلط أو الفساد أو غيرهما من الظواهر التي يحق للأدب تناولها.
فليس كل نقد لظاهرة سياسية موقفا معارضا من شخص بعينه، كما أن السخرية من تناقضات الديمقراطية لا تستلزم رفض كل ما تحمله من قيم أو مؤسسات.
وإذا حملت بعض التعبيرات إساءة شخصية غير مقصودة، فأعتذر عنها، فقد كتبتها في سن مبكرة، ولم يكن هدفي التشهير بأحد أو الانتقاص من كرامته.
ومع ذلك، لا أزعم أن هذه الرموز كانت سببا في عدم فوز الرواية بجائزة شنقيط، ولا أعرف أصلا كيف فهمتها لجنة التحكيم، إن كانت قد توقفت عندها أصلا. وما أذكره هنا توضيح لمقصد الكتابة، لا تفسير لقرار الجائزة.
والحق أن أول ما ينبغي لي مراجعته هو النص نفسه، لا تخمين ما دار في أذهان المحكمين.

تعلمت أن الفكرة الجيدة لا تكفي
كنت أظن، ككثير من الكتاب في بداياتهم، أن امتلاك فكرة تستحق الحكاية هو الجزء الأصعب من العمل الروائي. ثم اتضح لي أن تحويل الفكرة إلى رواية مقنعة قد يكون أصعب من العثور عليها.
فقد يملك الكاتب فكرة طريفة، وشخصيات كثيرة، وأحداثا متشابكة، وأمثالا وحكما يريد إيصالها، ثم يكتشف أنه قال أكثر مما ينبغي في بعض المواضع، وأسرع أكثر مما ينبغي في مواضع أخرى.
وهذا ما لاحظته في «أسد الجمهورية» حين عدت إليها بعين نقدية، واستعنت بوسائل التحرير والمراجعة، ومنها الذكاء الاصطناعي، الذي أفادني في طرح أسئلة عن البناء والإيقاع والشخصيات، دون أن يكون بديلا عن قراءتي أو عن النقد البشري المتخصص.
وأكثر ما استوقفني سؤال بسيط: هل يستطيع القارئ الاستمتاع بحكاية الرواية حتى لو لم يوافق على أفكارها السياسية والاجتماعية؟
فإذا كانت الحكاية لا تنهض إلا بالمواعظ والتعليقات، فإن الكاتب لم ينجح بعد في تحويل أفكاره إلى عمل روائي مكتمل.
ولهذا بدأت أعيد النظر في بعض المقاطع، لا من أجل تغيير هوية الرواية أو إفراغها من سخريتها، وإنما حتى تتمكن الشخصيات والأحداث من حمل أفكارها دون أن يضطر الراوي إلى شرح كل شيء.
وما زلت أميل إلى الأدب الواضح الذي يجمع بين المتعة والفكرة والقيم التي يؤمن بها صاحبه. ولا أرى أن الغموض أو الجرأة أو مخالفة المألوف فضائل فنية في ذاتها، كما لا أرى أن الوضوح والالتزام الأخلاقي يكفيان وحدهما لصناعة أدب جيد.
فالأدب، في النهاية، لا ينجح بمجرد حسن مقصد صاحبه، بل بقدرته على تحويل ذلك المقصد إلى تجربة حية ومؤثرة.
إلى الكتاب الشباب: لا تكرروا خطئي
إذا خرجت بنصيحة واحدة من هذه التجربة، فهي ألا يحبس الكاتب أعماله سنوات طويلة انتظارا لفرصة مثالية، وألا يتعجل في الوقت نفسه إرسالها إلى المسابقات قبل أن تنضج ويراجعها جيدا مع المتخصصين أو ينشرها من خلالهم.
وقد يجمع الإنسان بين الخطأين، كما فعلت أنا: يؤخر النشر أكثر من خمسة عشر عاما، ثم يستعجل حين يقرر أخيرا إخراج الكتاب من عزلته كمسودة يقدمها لجائزة أكاديمية كبيرة!
والأفضل أن يضع الكاتب لنفسه خطة واضحة: يكتب، ثم يراجع، ويعرض نصه على قراء صادقين، ويستعين بأهل الخبرة، ويقرر بعد ذلك الطريق الأنسب للنشر أو المشاركة في الجوائز.
ولا ينبغي أن تصبح الجائزة شرطا لوجود العمل الأدبي، ولا أن يصبح عدم الفوز بها دليلا على فشله. وفي المقابل، لا يجوز لنا أن نتخذ من عدم الفوز ذريعة لاتهام المحكمين أو تجاهل عيوب أعمالنا.
لقد أصبح الوصول إلى القراء أسهل مما كان قبل سنوات، بفضل النشر الإلكتروني والمواقع الشخصية ووسائل التواصل، لكن سهولة النشر لا تعني الاستغناء عن جودة التحرير.
فإذا كان الكاتب يستطيع اليوم إصدار كتابه بنفسه، فإن مسؤوليته عن جودة ذلك الكتاب تصبح أكبر، لا أصغر.
وأما الناشرون والجوائز والمؤسسات الثقافية، فلهم أدوار مهمة لا ينبغي إنكارها. ولكن علاقتنا بهم ينبغي أن تكون علاقة تعاون وتنافس واحترام متبادل، لا انتظار دائم لمن يمنحنا الإذن بأن نكتب أو ننشر.
ماذا بعد جائزة شنقيط؟
لا أعد عدم الفوز خسارة كبيرة، ولا أزعم أنه انتصار مقنع أخفيه وراء كلمات التفاؤل. إنها تجربة عادية في حياة من يكتب ويشارك ويتعلم.
لقد عرفت نتيجتها، وبدأت أتعلم منها، وربما كانت أهم فائدتها أنها أعادتني إلى رواية كدت أتركها للغبار!
وسأعمل، بإذن الله، على مراجعة «أسد الجمهورية» مراجعة تستحقها، وأستعين بأهل الاختصاص، وأبحث عن وسيلة مناسبة لنشرها، بعيدا عن الاستعجال الذي صاحب مشاركتي في المسابقة.
وأتمنى لجائزة شنقيط مزيدا من التطور، وأن تتسع مستقبلا لتخصصات أدبية أكثر، وأن تزداد عنايتها بتقديم الملاحظات وتشجيع الأعمال الواعدة، إلى جانب تكريم الفائزين.
وأرجو ألا يفهم من هذه الكلمات اعتراض على نتيجة الجائزة أو تقليل من شأن العمل الفائز أو من اجتهاد المحكمين. فهي مقترحات من مشارك لم يفز، ويعرف أن أول مشروع إصلاح ينبغي أن يبدأ به هو إصلاح مخطوطه!
أما الدرس الذي أريد الاحتفاظ به، فهو أن الكاتب لا ينبغي أن ينتظر الجائزة حتى يمنح عمله قيمته، ولا أن يتوقع من الآخرين أن يبذلوا في مراجعة نصه من الجهد ما لم يبذله هو.
لقد ذهبت إلى جائزة شنقيط ولم تعد الجائزة معي، لكن روايتي عادت معي، وهذه المرة لا أريد أن أعيدها إلى الدرج.
وسأنشر في موقعي هنا مقتطفا من «أسد الجمهورية» لمن أراد التعرف إلى أسلوبها وعالمها الساخر، وأرحب بكل ملاحظة نقدية صادقة تساعدني على تقديمها في صورة أفضل.
[رابط المقتطف من الرواية]