الإصلاحات التي تثقل كاهل المواطنين: هل تصبح أحيانا أشد ضررا من الفساد؟
متى تتحول السياسات الإصلاحية إلى مصدر للأعباء بدلا من تحسين حياة الناس؟

هل يمكن للإصلاح أن يثقل كاهل المواطنين؟ هل يمكنه أن يتحول إلى وجه آخر للفساد، أو يصبح مجرد تغيير لا يُقدم وم ولا يؤخر؟
يناقش هذا الموضوع أثر بعض الإصلاحات التي تثقل كاهل المواطنين، والسياسات التي ترفع شعار الإصلاح، كزيادة الغرامات وحملات مكافحة الكلاب الضالة وهيكلة المؤسسات… إلخ
الإصلاح في معناه الحقيقي هو إزالة الضرر وجلب المنفعة للناس، وتحسين ظروف حياتهم وتخفيف أعبائهم. غير أن بعض السياسات والتصرفات – من طرف موظفي الدولة ومسؤوليها – التي ترفع شعار الإصلاح تنتهي إلى نتائج معاكسة، فتزيد معاناة المواطنين، وتثقل كاهلهم بالرسوم والعقوبات، حتى قد يشعر بعضهم بأن بعض الإجراءات الجديدة أصبحت أشد وطأة من المشكلات التي جاءت لمعالجتها.
إصلاح الطرقات أو تهيئتها على حساب جيوب المواطنين
ربما ليس لمصلحتهم كما يبدو في الظاهر.
لا اعتراض على تعبيد الطرق وسد الحفر ووضع أعمدة الإنارة وكاميرات المراقبة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المشاريع إلى ذريعة لفرض غرامات باهظة على مخالفات بسيطة، أو مضاعفة العقوبات بمجرد تركيب كاميرات المراقبة.
فإذا كانت الطرق نفسها مليئة بالحفر، وتفتقر إلى الأرصفة والإنارة، فإن تحميل المواطنين ما قد لا يطيقون ثمنا لذلك الإصلاح الذي دفعوا ثمنه أصلا من ثرواتهم – ثروة البلد – ربما يكون هذا نوعا من المن، من المسؤول على المواطن بما هو حق له! وقد يشعر بعض المواطنين بأن بعض هذه الإنجازات لا تعكس دائما أولوياتهم المعيشية المباشرة.
الثروات العامة بين حق المواطن وأولوية المشاريع
اعطاء المواطن نصيبه من عوائد ثروات بلده مقدم على كل إصلاح أو ترقيع.
تملك بعض الدول موارد ضخمة، وممكن جدا أن ينعكس جزء منها مباشرة على حياة الناس في شكل إعانات أو برامج دعم اجتماعي. لكن بعض الحكومات – خاصة في بعض الدول النامية، تكتفي بالقول إنها تبني الطرق والمستشفيات والمدارس، بينما تبقى أوضاع المواطنين المعيشية صعبة، وتستمر الديون الخارجية في التراكم بسبب سوء الإدارة والاقتراض المتكرر، فتتحول الثروة إلى عبء بدلا من أن تكون نعمة. وبدل أن ينعكس أثرها مباشرة على حياة المواطنين، يذهب جزء منها إلى خدمة الديون الخارجية أو يضيع بسبب سوء التسيير والفساد. تصرف على طرقات ومدارس ومستشفيات رغم أهميتها، إلا أنه قد يكون أهم منها وأولى أن يجد المواطنون ما يضعونه في جيوبهم من نقود، فهي داخلة في خانة المصاريف، لا تحل أي مشكلة مالية بل هي ضمنها، أما النقود فتحل كل المشاكل المالية على الأقل إن توفرت.
حملات مكافحة الكلاب الضالة بين التنظيم والتجاوز
إصلاح آخر!
وهو سبب من أسباب كتابتي لهذا الموضوع، لأنه يبدو أن الرحمة بالحيوان أصبحت أضعف مما كانت عليه.
وأنا أطرح سؤالا بسيطا: لو كان ذلك الكلب ملكا للشخص الذي قام بقتله، هل كان سيتعامل معه بالطريقة نفسها؟
كلاب الناس مهمة أيضا.
إن تنظيم وجود الحيوانات السائبة أمر مطلوب، لكن قتل جميع الكلاب دون تمييز بين المؤذي والمسالم، أو المريض والسليم، يثير تساؤلات كثيرة. ففي كثير من الدول يتم الإمساك بالحيوانات الشاردة، ومحاولة التعرف على أصحابها أو إيواؤها، ولا يكون القتل هو الخيار الأول إلا في حالات استثنائية تتعلق بخطر صحي أو أمني واضح (وذلك هو الصواب حينها).
فلماذا يقتلونها مباشرة عندنا؟
والغريب أن الكلب الذي قتلوا كلب مميز بضخامته مسالم جدا، لا ينبح إلا داخل منزل أهله، قتلوه لمجرد أنهم وجدوه في الشارع – كما يقولون، في حملة من حملاتهم على الكلاب التي يضعها بعض أصحابها في مرتبة الأبناء.
كان في الحي الذي يسكنه على بعد أمتار من منزل أهله!
فلِمَ كل هذه القسوة؟ لِمَ العنف تجاه هذه المخلوقات الطيبة الوفية… وتجاه أصحابها الذين قد يصنفهم بعضهم في خانة الأغنياء.
قتلوه وهو صحيح غير مريض، ونظيف يضع قلادة الحشرات، فقط لأنه خرج في غفلة من رعاية صاحبه!
أليس تركه – إن كان فسادا كما يرون – خير من إصلاحهم هذا؟
وحتى إذا رفع صاحبه عليهم قضية قد لا يكسبها لأن الكلب قد لا تكون له قيمة في هذا البلد.
وقد ألف أحد المؤلفين القدماء كتابا سماه “فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب”، يكفي في مجاله.
والكلاب في الغرب قد تكون أهم من البشر عند ملاكها، وربما عندهم حق في ذلك نتيجة بعض التجارب غير المرضية، وليس من السهل قتل كلب أحد هنالك، فقد يدخل الفاعل بسبب ذلك في دوامة قانونية إن لم تكن عنده بينة. أما هنا فتشكو بعض الأسر من أن حملات المكافحة قد لا تميز أحيانا بين الكلاب الضالة والحيوانات الأليفة المملوكة.
وهنا ملاحظة مهمة: لماذا لا يقدرون على توفير مكان يجمعونها فيه من الشارع حتى يأتي صاحبها، على الأقل ليتبين هل هي كلاب أليفة أم لا، لأن تربية الملاب مسموح بها إن لم يصدروا قانونا جديدا بعكس ذلك!
وقد يتساءل أصحاب الحيوانات الأليفة عما إذا كان توفير مراكز إيواء مؤقتة سيكون أقرب إلى مفهوم الإصلاح الذي يراعي مصالح الجميع.
يبدو أن إصلاحاتهم ينقصها شيء من الحكمة والتوازن بحسب أصحاب الكلاب على الأقل، وقد يكون الهدف منها هو التضييق لا التوسعة على الناس، فهل تكون بذلك إصلاحات خير منها الضرر – إن كان موجودا أصلا، لأنه قد يصلحون – أو يفسدون بمعنى أقرب، ما هو صالح، مثل قتل هذا الكلب المسكين الذي كان معافى وقوي ونظيف؟
الإحصاءات الإدارية وهاجس المساس بممتلكات الناس
والآن يجهزون لإحصاء شامل، وقد يتخوف بعض المواطنين من أن تؤدي البيانات المجمعة مستقبلا إلى زيادة الالتزامات الضريبية أو الإدارية. وقد يخشون من أن تؤدي بعض هذه الإجراءات إلى زيادة الأعباء والتوسع في الجباية، بدلا من تحقيق أهدافها المعلنة.
ويرى البعض أن بعض أنواع الضرائب أو آليات التمويل القائمة على الفوائد تتعارض مع أحكام الشريعة. فكيف يتعامل المسلم مع موارد يرى أنها تقوم على المعاملات الربوية؟
تحتاج الدول إلى الإحصاءات لتنظيم السياسات العامة، غير أن المواطنين قد ينظرون بريبة إلى بعض هذه الإجراءات إذا اتسمت بالخشونة أو افتقرت إلى الضمانات القانونية والإنسانية الكافية. فالإصلاح الإداري لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر خوف أو وسيلة لإتعاب المواطنين.
إعادة هيكلة المؤسسات بين التطوير وزيادة الأعباء
كثيرا ما تقدم الحكومات تقسيم الوزارات – والإدارات – أو دمجها بوصفه إصلاحا إداريا، لكن النتيجة قد تكون زيادة النفقات، وتكاثر المناصب والمخصصات،وتشتت وحيرة الموجودين، واستمرار المحسوبية دون تحسن ملموس في الأداء. فالإصلاح الحقيقي يقاس بكفاءته ونتائجه، لا بعدد الهياكل الجديدة التي ينشئها.
أرى شخصيا أن الوزير لا ينبغي أن يكون دون الأربعين لأنها مرتبة تتطلب تجربة ووقتا في نظري – وكذلك الإدارة، وأرى أن المناصب العليا تحتاج إلى قدر من الخبرة والنضج، وأن الاهتمام بالقضايا العامة أولى من الانشغال بالجدالات اليومية على وسائل التواصل.
لذا نجد بعضهم يركز على المدونين والمغردين! على خلافات يومية تدور بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي. يضيع وقت الدولة وجهدها في استقبال شكاواهم والنظر فيها والإعداد لها! وهي كالكلام الذي يرمى به الناس بعضهم بعضا في الشارع يوميا دون تدخل من الدولة.
ولو كان المسؤول فوق الخمسين ربما لم يهتم، ولا يجتمع بالصغار أمام التلفزيون تشجيعا للتدوين الذي لا يقدم ولا يؤخر!
كما لا ينبغي أن يدخل الوزراة أو الإدارة من ليس من أهلها!
هذا ظلم، جناية عليها وعلى المواطنين الذين تخدم، لأنه وضع لغير أهل التخصص في مكان لا يستحقونه!
المفروض أن يكون هنالك تدرج، فيصعد من في الإدارة السلم حتى يصبح مديرا أو وزيرا، لأنه أعلم بها من الغريب، فكيف يؤتى بالغرباء من الخارج بالباراشوت؟! أم أن بعض هذه التعيينات تخضع أحيانا للاعتبارات السياسية أكثر من الاعتبارات المهنية؟
وقد يرى بعض المواطنين أن مثل هذه الإجراءات تبتعد عن مفهوم الإصلاح الحقيقي، وتقترب من الممارسات التي تؤدي إلى نتائج سلبية شبيهة بما ينسب إلى الفساد الإداري.
خاتمة
ليس كل عمل أو حركة أو تغيير، إصلاحا، قد يكون مجرد تغيير شكلي، أو عملا فاسدا!
الإصلاح يستحق اسمه، فهو يحدث تغييرا إلى الأفضل ويخفف من معاناة الناس، ويحفظ حقوقهم – ومنها أموالهم التي تعبوا فيها وحيواناتهم التي يحبون، ويحقق منفعة واضحة.
أما السياسات التي تزيد من الأعباء، وتثير المخاوف، وتغضب الحليم، وتستنزف الموارد دون أي فائدة، فإنها أقرب للفساد من الإصلاح، مهما تزينت به من شعارات براقة، الترويج هو أسهل شيء، المهم هو النتيجة الإيجابية فقط. ولا جدوى من إطلاق مشاريع لا تحقق أثرا ملموسا في حياة المواطنين تستنزف الموارد وتضيع الجهد والوقت فيما يعتبر العدم خير منه.
والحكم على الإصلاحات لا يكون بالكلام المنمق ولا باعلان حسن النية، ولا بأخبار نشرات المسائية، بل بما تتركه من أثر طيب على الأرض وفي حياة المواطنين ونفوسهم – والأخيرة مهمة جدا، ذلك خير من إثارة القلق لدى المواطنين أو المساس بما يتعلق بحيواناتهم الأليفة وممتلكاتهم.




