نوافذ موريتانية

قوة الشخصية: لماذا يخسر الضعيف حقوقه ويستنزفه الناس؟

بين مطاردة الناس، والخجل من المصلحة، وحفظ الكرامة

يتناول هذا المقال معنى قوة الشخصية بعيدا عن المفاهيم الشائعة، ويشرح كيف تؤثر الثقة بالنفس في التعامل مع الحاسدين، والخوف من كلام الناس، وطلب المصالح المشروعة، وحفظ الكرامة في العلاقات اليومية. كما يعرض تجارب واقعية وأمثلة عملية تساعد القارئ على بناء شخصية أكثر اتزانا وثباتا.

قوة الشخصية ليست خشونة في الكلام، ولا ارتفاعا في الصوت، ولا فرضا للرأي بالقوة، وإنما هي القدرة على اتخاذ القرار الصحيح، والدفاع عن الحقوق، وعدم الخضوع للخوف أو للضغوط.

أخطر الناس هو من يجعل منك مشروعه اليومي

ليس أسوأ الناس من يعاديك مرة ثم يمضي، وإنما من يجعلك محور تفكيره، فيتتبع خطواتك وأخبارك، ويراقب تصرفاتك، ويقارن نفسه بك في كل صغيرة وكبيرة. هذا النوع لا يعيش حياته، بل يعيش جزءا كبيرا من حياته داخل حياتك أو يحاول أن يعيش تفاصيل حياتك، وهو لون من التدخل السافر في شؤون الآخرين.

وغالبا ما نجد هذا السلوك عند الحاسد، أو عند الشخصية النرجسية التي ترى في نجاح غيرها تهديدا لصورتها الذاتية. فهو لا يترك لك مساحة من الهدوء؛ إن تحركت راقبك، وإن نجحت ضاق بذلك، وإن أخطأت فرح، وإن تجاهلته حاول أن يفرض نفسه عليك.
ونجده أيضا عند الشخصية الغيورة لأنها مثل النرجسية – أو نرجسية، تحب التملك، لذا لا يمكن أن ينصرف بالها عن الآخر أبدا، بل تراقب وتتبع وتتدخل في الشؤون باعتبار ذلك حقا لها أو دفاعا عن الذات وحفاظا على المصلحة – التافهة، التي تتوهم أن تصرفات الآخر البعيدة عنها موجهة إليها.

ومن أصعب صور هذا النوع عندما تعيش معه في بيت واحد، أو تعمل معه، أو تضطر للاحتكاك به يوميا. عندها تصبح المراقبة مستمرة، فلا تكاد تتحرك إلا وتشعر أن هناك من يتابعك بعينيه – وروحه حتى، أين ذهبت، ومن كلمت، وما الذي اشتريت، وهل دخلت أم خرجت، وحتى تعبيرات وجهك تصبح محل مراقبة.

وقد يتعمد الظهور أمامك باستمرار كلما مررت في الرواق قفز أمامك فجأة، لا لأنه يحتاج شيئا، بل لأنه يعلم أنك لا ترتاح لرؤيته، وليراقب أيضا، فيكون حضوره نفسه وسيلة لاستنزافك نفسيا أو يتعمد ذلك إن أحس بتضايقك منه – وسيحس من أول دقيقة. يريد أن يشغل مساحة من ذهنك، لأن مجرد انشغالك به يعد بالنسبة إليه انتصارا.

ومثل هذا الإنسان يعيش في حرب باردة لا تنتهي. قد لا يصرح بعداوته، وقد لا تكون شرسة لأن الشراسة تؤدي إلى الانفضاض، فيفتعل المشاكسات، ويصنع المقارنات، ويبحث عن أي مناسبة ليشعرك بأنه حاضر في حياتك كأنه يريد أن يبقى حجرا جاثما على صدرك.

والخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس هو أنهم يدخلون معه في معارك يومية، بينما العلاج الحقيقي هو ألا تمنحه ما يبحث عنه: اهتمامك. فالحاسد يتغذى على ردود أفعالك، أما عندما تصبح هادئا، وتمضي في طريقك، فإنه يفقد أهم سلاح كان يستخدمه ضدك.

ولهذا قال بعض الحكماء إن أقسى عقوبة للحاسد أن يرى من يحسده يعيش مطمئنا لا يلتفت إليه.

لكن أين يجد الواحد القوة الكافية لهذا البرود؟ من الصعب تحمل ذلك الحجر – حتى لا نخدع أنفسنا بالكلام المعسول. الحل هو الابتعاد عنه، وفقط. لأنه لن يتراجع، وأنت لن تبتسم وتمر بسلام لأن ذلك من أصعب الأشياء، نحن بشر لسنا آلات.

لا تجعل خوفك من الناس يحرمك من مصلحتك

من الأخطاء الشائعة أن يجعل الإنسان نظرة الناس هي المعيار الذي يقرر به أفعاله، مع أن الناس أنفسهم سرعان ما ينسون، أو يفعلون الأمر نفسه إذا وجدوا فيه مصلحة لهم.

إذا كان أمامك أمر يعود عليك بالنفع، وكان مباحا ولا يضر أحدا – حتى لو كان صعبا، مثل أخذ المبادرة في الكلام بقوة، فلا ينبغي أن تمنع نفسك منه لمجرد أنك تخشى التعليقات أو النظرات أو مشاعر الناس التي لا ينبغي أن تمنعك من فعل الصواب.

فعلى سبيل المثال: لو أردت صبغ شعرك لأن ذلك يناسبك أو يرفع ثقتك بنفسك، فلا تجعل همك أن يقول الناس: لقد صبغ شعره. سيقولون ذلك اليوم، ثم ينسونه غدا، وربما يكون أكثرهم يفعل الشيء نفسه.

وهذا مثل انتقادهم لبعض التصرفات، ترى الواحد منهم يتعوذ من الشيطان كما لو كان لا يرتكب ذلك الذنب أو الخطأ أبدا! لذا تراهم صارمون شديدون تجاه من يخطئ دون رحمة أو ستر، مع أنهم قد يرتكبون نفس الخطأ إذا أمنوا العقوبة أو توهموا ذلك.

مثال آخر: فتاة تبدي لك قبولا واضحا، وأنتما في جماعة، لماذا تتردد ثم تتراجع عن التقرب إليها لأن الجماعة تنظر إليكما؟ طبعا ستنظر إليكما لأن الأمر قد لا يخفى على أكثرها، لكن هل تلك النظرات تهم؟ إنها مثل نظرات من في الشارع، ينظرون إليك دائما لأن ذلك هو الطبيعي، والذي ينظر جيدا حوله أكثر سلامة ممن لا يفعل.
إن الجماعة لن تبقى مجتمعة إلى الأبد، وكل واحد منهم سيسلك طريقه، وربما بعد أن تنصرف أنت عنها يتقدم إليها شخص آخر كان أقرب إليها بحكم المرافقة أو كثرة اللقاء، فتخسر فرصة حقيقية لأنك كنت تفكر في نظرات الآخرين أكثر من تفكيرك في مصلحتك.
ونفس الشيء الفتاة التي تراها في مكان عام. وما هذا إلا مثال. ليست دعوة للفجور، بل إذا كان للزواج فجيد، وهي نية المسلم، ونحن بشر نتلاقى ونتحادث، لكن المهم أن لا نقع في الخطأ، وأن تكون نوايانا لفعل الخير والتقوى التي هي أهم وأصعب شيء.
بالمناسبة، لا خير في طريق الملذات المحرمة لأنها أصلا ليست ملذات، وفيها من تضييع الوقت والمال والجهد الكثير، وقد تكون لها عواقب وخيمة مثل الانفضاح – والعياذ بالله، ولو تزوج وحصن نفسه لارتاح من ذلك العناء.

عودة لما كنا نقول: الأمر لا يقتصر على العلاقات، بل يشمل التجارة، والوظائف، والاستثمار، وطلب العلم، وحتى السفر. كم من إنسان ضيع فرصة ثمينة لأنه كان يخشى إظهار طموحه وحاجاته معتقدا أن ذلك سيكون أكثر من اللازم، أو أن يقال إنه يسعى وراء مصلحته التي هي من حقه الطبيعي، والسعي ورائها هو أمر طبيعي ما لم يتضمن ظلما للغير.

وفي المقابل، هناك أشياء يتعب الإنسان نفسه فيها فقط حتى يبدو قويا أمام الناس، بينما النتيجة تكون عكسية.
فمثلا، إذا كنت تخفي الشيب – عقدة عند البعض، وكأن ظهوره عيب، فإن الناس قد يلاحظون هذا الحرص المبالغ فيه، فيفهمون أنك تخشى أحكامهم. بينما لو صبغت شعرك عن اقتناع، أو تركت الشيب ظاهرا عن اقتناع، لما وجدوا ما يعلقون عليه أصلا.

ليست المشكلة في الشيب ولا في الصبغة، وإنما في تعلق القلب برأي الناس.

فالإنسان الواثق يفعل ما يراه مناسبا، ثم يمضي، أما المتردد فيقضي نصف عمره يحاول إدارة انطباعات الآخرين عنه، ولن يرضى عنه أكثرهم مهما فعل، فالأولى أن يفعل ما يراه صوابا، وينام على الجنب الذي يريحه.

لا تخجل من طلب ما تحتاجه… ولا تأخذ ما لا تحتاج إليه

من علامات النضج أن يعرف العاقل متى يطلب، ومتى يرفض.

هناك من يستحي من طلب وظيفة، أو شراكة، أو مساعدة مشروعة، أو حتى من التعبير عن إعجابه بامرأة يريد الزواج منها. يظن أن الطلب سيجعله ملاحظا جدا أمام الآخرين، أو ينقص من قدره، مع أن الحياة كلها قائمة على الأخذ والعطاء، وعلى عرض النفس وفرضها على الآخرين. أخبرني كيف يتزوج الواحد ما دام مترددا في الذهاب إلى أهل الزوجة في أحسن حلة وطلب يدها من ولي أمرها الذي قد يكون رئيسه أو معلمه، وإعلان ذلك أمام الجميع.

الصواب والحق والحلال لا ينبغي للعاقل التردد فيهما أبدا، ولا مجال للخجل فيهما. والأصل في الرجل أن يتحلى بالشجاعة في طلب الحلال، لأن ذلك من فهم الحياة ومعرفة الصواب وطرق تحصيله.

والآخرون لا ينبغي أن ينظروا إليك كأنك ملك أو أمير لا يحتاج أحدا، وإنما كشخص طبيعي، يحتاج أحيانا، ويساعد أحيانا أخرى. وغني النفس كريم أبي، كل ذلك يمشي مع بعضه إذا اتبع الواحد الوسط في كل الأشياء، دون إفراط أو تفريط.

ومن يحرم نفسه من السؤال المشروع قد يخسر فرصا كثيرة بسبب كبرياء لا مبرر لها.

لكن في المقابل، لا ينبغي أيضا أن يتحول الإنسان إلى كثير الطلب، أو أن يأخذ ما لا يحتاج إليه، لأن هذا يضعف كرامته واستقلاليته، وربما يفتح أبوابا لتفسيرات لا يريدها. حتى من يعرض عليك شيئا يسيرا لا تحتاج إليه، قل له شكرا لدي ثمنه لو أردته لاشتريته، ولا تأخذ شيئا حتى من المقرب. عود نفسك على عدم أخذ ما لا تحتاج إليه من أحد، أما ما تحتاج إليه فعلا، فلا بأس دون أن يظهر في ذلك ما يسيء إليك، ويكون من باب التعاون الأخذ والعطاء، تلك شطارة، وهي ما عليه أكثر الأقوياء كالكبار وغيرهم، مصالح متبادلة، كل منهم يأخذ ما يحتاج فعلا ويعطي. مثلا المدير يطلب أن يكون في مرتبة أعلى وهكذا. هو يحتاج لذلك، فهذه شطارة وليست طلب وتسول.

وأذكر تجربة شخصية بقيت عالقة في ذهني.

في إحدى السفرات كنت صاحب السيارة، فأصر أحدهم على دفع قيمة الوقود، ثم وضع في جيبي مبلغا من المال، وأقسم ألا أعيده، وقال إن ضغطه سيرتفع إن رفضته، فقبلته يومها على مضض، حتى لا أحرجه لأني أحمل معي أضعافه. لذا عندما يتعلق الأمر بكرامة النفس، لا تكثر من الحسابات.

لكن بعد أشهر جاء إلى منزلي يحمل ظرفا فيه مبلغ آخر.

عندها استوقفني الأمر.

قلت له بهدوء: أنا لست فقيرا محتاجا – ولله الحمد، حتى تعاملني بهذه الطريقة. والحمد لله لست محتاجا إلى هذا المال. بالمناسبة كل ما عندنا بفضله سبحانه وتعالى وليس من كسبنا ولا بفضل أي أحد علينا، الناس وسائل ليعطيك ربك ما يشاء من خلالهم، هو الغني المغني، ولو تُركوا مع أنفسهم لربما ما مدوا أيديهم بشيء، لأن الإنسان يخاف الفقر والطبع غلاب، لكن المعطي هو الله الذي يسخرهم، حتى لتجد الواحد يعطيك دون حساب لمجرد أنك دخلت قلبه، وقد تستغرب وتتساءل: لماذا أعطاني كل هذا – وقد يكون بخيلا؟ فذلك رزق ساقه الله إليك.

قلت له: هل مظهري وحالي يدلان على الحاجة، فظروفي -والحمد لله، أفضل من ظروفك. وإذا كنت لا تراني في عمل ظاهر – وزير أو مدير، فهذا لا يعني أنني بلا مصدر رزق، كما أنك أنت لا تعمل. لكل إنسان خصوصيته.

ثم سألته: لو انعكس الموقف، وجئتك أنا بمبلغ من المال، هل كنت ستقبله؟
لا أدري هل كان سيقبل ذلك لو انعكس الموقف.
وقد يكون سبب فعله ذلك أحد احتمالين:
إما أنه  كان يوزع زكاة أهله، وهم أصلا متوسطو الغنى.
أو يراني دونه، ويكون من باب قلة الاحترام.
وقد يكون الحسد أحد الدوافع – ولا أجزم بذلك، لأنه لا يراني دونه، بل بالعكس.

وسألته أيضا: إن كان هذا من الزكاة، فأنا لا أستحقها، فأعطها لمن يحتاجها حقا. وقلت له هذا المبلغ الذي في الغلاف أعطه لفلان أو فلان – أصدقاء فقراء لنا، فقال لن تحدد لي من أعطيه نقودي! فانظر كيف انقلب من الوسط إلى التطرف في الرد، فحمدت الله أني لم أضربه يومها لأنني ألهمت الصبر لتفاهته وتفاهة الفعل الذي فعل.
قلت له أن يعطيه لأولئك لأني أعلم أنه بخيل، حتى أتعبه بضرورة صرف المبلغ حتى لا يرده لجيبه، فعلت ذلك سخرية منه ومن فعله!

عجبا للبخيل: يعطي حين لا يكون للعطاء معنى، ويمنع حين لا يكون للمنع معنى، وهذا هو حالهم. وأكثرهم قد يرغمك على تناول مشروب تافه أو قهوة بقروش، ولا يعطي شيئا مهما، فخير عدم أخذ شيء منه لأنه قد يربطه بالمرتبة ويضع نفسه في مكانة أعلى منك بسبب ذلك! واليد المعطية فوق الآخذة، تذكر هذا جيدا.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن من صاحب الكرماء – وهم موجودون، ارتاح وسعد، فكرامة أنفسهم لن تسمح لهم بمحاولة امتهان أحد، وفي نفس الوقت عطاؤهم كرم، وضيافتهم سياحة، ووجودهم مشاركة، بعكس البخلاء.
ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لأخترت أصدقائي وابتعدت عن كل بخيل وفاسد، فمثلا هذا آذاني – ولو بكلام، ونحن في هذا السن بعد تجاوز سن الشباب، فما فائدته من البداية أصلا؟
اختر أصدقائك جيدا فقد تكون عشرة عمر، اختر النافع الذي يدعمك ويرفعك، ويزيدك علما وتقوى وغنى، وابتعد عن أصحاب الطباع السيئة والبخلاء والأراذل وضعاف المروءة فلا خير فيهم.

تعمدت أن أتحدث بهدوء مع ذلك البخيل، ولم أغضب كما كنت أفعل في مواقف مشابهة، لأن الهدوء أحيانا يكون أبلغ من الانفعال، ويضع الحدود دون أن يفسد العلاقة، ولأنني رأيت أنني نضجت والحمد لله، لم يعد لكل هذا أهمية عندي.

وبالنظر إلى الخلفية بيننا، كان هناك قدر من المنافسة بين العائلتين، من النوع المعتاد بين أبناء العمومة، وكانت المقارنات موجودة في بعض المواقف. كما أننا قضينا مؤخرا فترة معا في مدينة سياحية – في الصيف، ولأول مرة، وحقا، بعض الناس من الأفضل عدم مخالطتهم. وقد شاهد أمور ربما لم تسره، وكانت من أسباب تصرفه الأخير، محاولة وضع نفسه فوقي.

وقد علمتني هذه التجربة درسا المهم هو تطبيقه: ليس كل ما يعرض عليك شيئا ينبغي أن تقبله، حتى لو جاء في صورة هدية أو فعل طبيعي جدا.
أحيانا يكون الرفض المهذب أفضل من القبول، لأن الإنسان إذا اعتاد أخذ ما لا يحتاج إليه، فقد يفتح على نفسه أبوابا من التأويل، أو يشعر الآخرين بأنه دونهم أو محتاج بالفعل، أو أن لهم عليه فضلا.
وربما سبب كل هذا هو العقل البشري الذي لا يقدر تقديرا جيدا، فربما لم يحسب، ربما كان الأمر مجرد تقدير غير موفق، كالعادة.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يرفض الإنسان كل مساعدة بدافع الكبر، فلو احتاج إليها فعلا، فقبولها ليس عيبا، بل هو من طبيعة الحياة. الحكمة أن يعرف الإنسان الفرق بين الحاجة الحقيقية، وبين ما يمس استقلاله أو كرامته دون داع.

هل المشكلة كلها في ضعف الشخصية؟

قد يسأل أحدهم: أليست كل هذه المواقف تعود في أصلها إلى ضعف الشخصية؟

الجواب: ليس دائما، لكنها في كثير من الأحيان ترتبط بقدر من ضعف الثقة بالنفس أو ضعف الحزم في بعض المواقف. فالشخصية القوية لا تعني الصوت المرتفع، ولا كثرة الجدال، ولا حب السيطرة على الآخرين، وإنما تعني أن يكون الإنسان صاحب قرار، يعرف ماذا يريد، ولا يجعل حياته أسيرة لنظرات الناس أو لاستفزازات خصومه أو لمشاعر الخجل التي تمنعه من تحقيق مصلحته المشروعة.

فقوة الشخصية هي التي تجعل الإنسان يتجاهل من يطارده أو يحسده، لأنه يدرك أن الانشغال به مضيعة للعمر.
وهي التي تجعله يقدم على الفرص النافعة دون خوف من كلام الناس، ويتحدث بثقة عندما يريد وظيفة أو شراكة أو زواجا، ويرفض ما لا يحتاج إليه بأدب دون شعور بالذنب أو الحرج. وهي أيضا التي تمنحه القدرة على وضع الحدود مع الآخرين، فلا يسمح لأحد أن ينتقص من كرامته، ولا يبالغ في ردود أفعاله حتى لا يصبح أسيرا لاستفزازاتهم.

والجميل أن قوة الشخصية ليست صفة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون، بل هي مهارة يمكن بناؤها مع الزمن. فكل موقف يواجهه الإنسان بشجاعة يزيده خبرة، وكل مرة يقول فيها “لا” عندما ينبغي أن يقولها، تزداد ثقته بنفسه، وكل مرة يقدم على أمر نافع كان يؤجله خوفا من الناس، يكسر حاجزا جديدا من الخوف. وهكذا تنمو الشخصية بالتجربة، وبالتعرض التدريجي للمواقف، وبالتعلم من الأخطاء، لا بمجرد قراءة الكتب أو ترديد العبارات التحفيزية.

ومن أنفع ما يقوي الشخصية أن يعتمد الإنسان على نفسه في شؤونه، وأن يوسع دائرة خبراته، وأن ينجز أعمالا حقيقية يعتز بها، فالثقة بالنفس لا تنشأ من الأمنيات، بل من الإنجازات المتراكمة. كما أن مخالطة أصحاب الشخصيات المتزنة، ومراقبة طريقة تعاملهم مع الناس، تعلم الإنسان كثيرا دون أن يشعر.

ومن المهم أيضا أن يتقبل الإنسان أنه لن ينال رضا الجميع مهما فعل. فكلما ازداد تعلقه بإرضاء الناس، ضعفت شخصيته، وكلما ازداد تعلقه بالمبادئ الصحيحة وبما يراه حقا، ازدادت شخصيته صلابة واتزانا. فليس المطلوب أن يكون الإنسان صلبا بلا رحمة، ولا لينا بلا حدود، وإنما أن يجمع بين حسن الخلق، وحفظ الكرامة، والثبات على ما يحقق مصلحته المشروعة دون ظلم لأحد.

وعندنا في هذا البلد، أنتقد الشباب منذ عقود في مجال إظهار الذات، فالواحد منا نحن العرب البيض – البيظان، لا العرب السود ولا الزنوج، عندما يبلغ يلعب دور سوبرمان، خاصة في وجود النساء، وربما هذا أحد أسباب أكل المال الحرام للاستغناء السريع، وكذلك شيوع عمليات النصب على الأجانب، الغاية عندهم تبرر الوسيلة، يريدون الحصول على القوة بأي ثمن! ويا له من ثمن، فكل ما يؤدي إلى الحرام لا خير فيه.

كنت أرى ذلك عيبا ومبالغة، ولا زال في كثير منهم، حتى أني مررت منذ ليال بشاب واقف مع امرأة فنزلت من السيارة لأقضي غرضا فإذا به منتفخ عن الآخر والسيجارة في فمه، فنظرت إليه فأدار عينيه بعد أن كان مثبتا لهما علي، ربما لأنه خشي أن أكون منافسا لأني توقفت بجانبهما، مثل من يحسب كل الناس مثله.
ثم فكرت وقلت في نفسي: هذا على الأقل فيه فائدة لمن حوله وأهله وأقربائه إن لم يكن مبني على هباء مثل البعض.
فإذا تأملت وجدت في ذلك خيرا، فهو يحاول إثبات نفسه، وإقناع الآخرين – خاصة النساء اللواتي تعجبهن تلك الوصاية المريحة التي لا يوفرها ضعاف المروءة، بأنه حلّال المشاكل القادر على الكثير، فعلى الأقل فعله ذلك يؤدي إلى خير وعطاء وفائدة، ويُعرف بذلك أكثر إذا كبر فتكون له مكانة وقيمة في الناس، بعكس الآخرين الذين يقتصر الواحد منهم على نفسه وحدها، يتقوقع عليها ويعتصرها حتى لا يخرج ما يدخل إليها منها أبدا، حتى أبنائه لا ينفعهم بل يكون معهم في منزل كبير فيسكن في وسطه – في القصر، ويعطيهم غرفا في الأطراف، المهم هو نفسه وزوجاته فقط.

كذلك بعض ضعاف المروءة الآخرين، خاصة من الحقوقيين، يُظهرون دفاعا عن جنسهم وهم آخر من تسمح نفسه بإخراج أوقية واحدة له، ويتهمون الغير بأنه يمتهنه! ونجد أن ذلك الغير خير فيه منهم وأنفع، وبشهادة الجميع!

لهذا يتميز ببعض أفراد مجتمعنا بهذه الصفات الجميلة وإن بدت قبيحة في الظاهر، لأنه حتى مع المبالغة في إظهار النفس والقدرات – وفي ذلك إظهار مهم للثقة في النفس، فيه خير، فلا بأس به ما دام يؤدي إلى العطاء والخير، والذي يُذم هو ما يؤدي إلى المنع والبخل.

ولو كنت من تلك النوعية التي أنتقدها، فهل كان ذلك سيزيد احترامي في نظر الناس؟

لكن كل هذا لا شيء، المهم هو فعل الصواب، ومهما كان، لأن نتائجه هي التي تبقى، أما الزبد فيذهب جفاء.

الخاتمة

الحياة تصبح أكثر هدوءا عندما يتحرر الإنسان من ثلاثة أثقال: الانشغال بمن يطارده، والخوف من أحكام الناس، وقبول ما لا يحتاج إليه.

فلا تمنح الحاسد وقتك، ولا تجعل الجمهور يدير قراراتك، ولا تستغن عن الناس استغناء متكبرا، ولا تتعلق بهم تعلق المحتاج في كل شيء.

الوسط هو أجمل الطرق: اعمل لمصلحتك المشروعة دون خجل، واطلب حقك إذا احتجته، وارفض ما لا تحتاج إليه بأدب، واترك الناس يقولون ما يشاؤون، فإنهم سينشغلون غدا بغيرك كما انشغلوا بك اليوم.

وكل ذلك يهون، ما دمت لا تسمح لأحد أن يجعلك الحائط القصير الذي يتجاوزه الجميع. كن كريما، قويا، متزنا؛ لا تؤذ أحدا، ولا تسمح لأحد أن يؤذيك.

سيد محمد

كاتب قصصي محب للحكاية، أؤمن أن وراء كل قصة فكرة، وفي كل قصة معنى يستحق التوقف عنده. أكتب لأقرب الحلم من الواقع، وأشارك تأملاتي وتجاربي في محاولة لفهم هذا العالم والإسهام فيه بشيء ينفع الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!