نوافذ موريتانية

رحلة إلى مدينة تكنت موريتانيا

مدينة تكنت التي يحبها كل من تعجبه البساطة، ويحب بواديها ومعيزها وجمالها، وأشجارها وكثبانها.

مدينة تكنت مدينة موريتانية صغيرة تقع جنوبا على الطريق الفاصل بين مدينة روصو على حدود السنغال ونواكشوط العاصمة.
يمكن للذاهب انطلاقا من تفرغ زين اختيار طريق الميناء لكي يتجنب زحمة المرور، فيخرجه على الجسر على الطريق.
تبعد عن العاصمة نواكشوط ب 110 كلم، 20 منها للخروج من نواكشوط حيث توجد وقفة خاصة بالشرطة. ودونها كرزة (مكان غير مشرع) في الكلم 16، أصبحت مكتظة شيئا ما ككل ما يتبع لمقاطعة Peka (بيكا)، ولا زال فيها بساطة وهدوء.
ثم بعد ذلك اجدير، وهو قرية قديمة لم ألاحظها بين البنيان بعد ان زرتها منذ أكثر من 15 سنة وكان ما حولها صحراء بل هي نفسها صحراء. تقع على بعد 22 كلم إن لم تخني الذاكرة.

ومدينة تَكَنْتْ (الكاف معقودة) مدينة صحراوية تحتل الرمال أكثر أجزائها ويبني الناس عليها مثل الْكَزْرَاتْ (الكاف معقودة).

ما هي الكزرة؟

الْكَرْزَة محليا تعني إحتلال أو إنتزاع لأرض شاغرة (أو أي مكان)، وهو حق للإنسان – قبل التدويل: مفهوم الدولة –، فلا يمكن للدولة، وأقصد بعض الحيتان الأكلة الذين فيها أن يحتكروا كل شيء أو يضعوه تحت سلطة قانونهم، أما وضعه تحت سلطة القانون العام بنية حسنة يعني، فلا مشكلة فيه.
فالكزرة اسم يطلق على مكان يسكنه ناس بدون ترخيص من الدولة، ولا تكون هنالك حاجة لذلك أصلا لبعده عن نطاق تنظيمها ولضعفها وعدم قدرتها أصلا على تنظيم ما تحت يدها، أما الآن وبعد أن تعلم المسؤولون الطرق الغربية خاصة الرقمنة الملعونة، وتأثروا بتجربته السيطرة على العالم كله كقرية واحدة، يريدون تتبع كل مخلوق يمشي على هذه الأرض، ومعرفة ما يملك وما لا يملك – ربما لينهبه بعضهم، وقد استغربت من سور على الطريق قبل وقفة الشرطة، يمتد لأكثر من كيلومتر!
ما هذا؟ هل الدولة بحاجة فعلا إلى تلك الأرض أم أن بعض الحيتان يريد المحافظة على المكان، ثم إذا جاء وقت الحاجة إليه ينزع عنه تلك الصبغة الحكومية – التبعية للدولة – ويبيعه لنفسه أو لغيره، وربما جربوا ذلك في أماكن أخرى داخل العاصمة نفسها!
اللعنة على الطمع البشري، وعلى الظلم والأنانية والنهب!
ألا يتعظون!

ترتمي على الطريق دور بنيت في ذلك الخلاء بدون ترخيص طبعا، ربما من الثمانينات والتسعينات وما بعدها، أصبحت مهترئة، أكلها الزمن وتحطمت أبوابها أو صدئت، بعد أن كانت تضح بالحياة، بأجمل امرأة وأفضل بنين، ضحك ولعب وأكل وراحة في ذلك المكان البعيد، ثم مات المالك وورثه من لا يرغب فيه فتركه لعوامل التعرية والرياح، وهكذا الدنيا مجرد زرع أعجب الزراع نباته ثم يصفر ويصبح حطاما!
أين تلك السعادة، وذلك الوجه الجميل الذي طالما ابتسم لصاحبه تحت ضوء القمر المبهج في ذلك المكان؟!

ما علينا خلونا في الكزرة، فهي – أو هو – عبارة عن مساحة أرضية، كبيرة أو صغيرة بحسب المكان وسبق صاحبها إليه، وفي الغالب هي مساحات كبيرة مريحة يحس الواحد فيها أنه ملك يمتلك أرضا شاسعة، رغم الفقر أحيانا، ليست كالقطع الأرضية – علب السردين – التي تقسم الدولة على الناس في أطراف العاصمة بدل التوسعة عليهم.

فتجد الكرزة في الأطراف، ثم تصلها الدولة بعد سنين من العمران، وتدخل إليها وسائلها المملة من طرق معبدة وأعمدة إنارة مهترئة، ودكاكين مشؤومة تبيع المواد المعلبة التي تنافس المواد الطبيعة، وصيدليات تبيع دواء خير منه المرض، فتفسدها إفسادا وتفسد أهلها.

على الطريق

يكون مكتظا شيئا ما حتى الكيلومتر 20، ومع هذا عند مغادرة آخر أعمدة بيكا يبدأ الإتساع يلفظ الضيق شيئا فشيء، ثم بعد الكلم 20، تبدأ المنطقة الجميلة “منطقة القبلة” بأشجارها المميزة التي تذكرني بوقت قصير من طفولتي قضيته في الإنتجاع مع أهل لخيام طلبا للماء والكلأ! كانت الأشجار في زمن المطر تفوح بعطر جذاب لا يمكن نسيانه.
وعلى الطريق تنتشر الكزر (جمع)، متباعدة في ذلك الإتساع الجميل، وحولها الكثبان وأنواع من الشجر لا تراها أبدا في العاصمة.
وتوجد قرية عند الكيلومتر 42، كبيرة شيئا ما، قبل وقفة الشرطة (وعند العلامة 40 كلم – قبلها ب 600 متر تقريبا، يوجد مكان يهمني).
ثم عند الكيلومتر 65 توجد وقفة الدرك. ثم قبل مدخل تكنت ب 15 كيلومتر تقريبا توجد وقفة شرطة.
لماذا أذكر الوقفات (أماكن توقيف السيارت للتفتيش وغيره)؟
للتذكر، ولينتبه لها المسافر، الذي عليه التخفيف من سرعته قبلها ثم وضع الإشارة والتوقف عند علامة “قف” حتى يأمره العسكري بالتقدم، فيأتيه، وينتبه لحركاته فقد يأمره بالتجاوز، أو بالنزول عن الطريق قليلا.
وفي المجمل كان الله في عونهم، فهم على ثغر، وعلى درجة عالية من الأخلاق والمهنية.

وأهم ما لفت انتباهي في الطريق، شجيراتها ورمالها الجميلة، توجد مناطق رمالها بيضاء كرمال الشاطئ، وأخرى حمراء، وأخرى قيعان سوداء رهيبة لكن رائعة، مثل قاع أسود واقعفي هوة كواد أسفل مستوى الطريق عليه شجيرات كثيرة تميزه (سوداء مثله انظر هذا المقال هنا، يتكلم صاحبه فيه عن أنواع الأشجار الموجودة)، وفوقه من الناحية المقابلة في مستوى الطريق، كزرات بيضاء كبيرة وجميلة تميزت في ذلك المكان.

والكزرات الموجودة على طول الطريق، بعضها مسكون، وبعضها لا، وبعضها لا يأتيه أهله إلا في الصيف هربا من حرارة نواكشوط وناموسه وسحبه.

وعلى الطريق أطفال يلعبون… من أجمل ما في تلك الأماكن، وقطعا حياتهم فيه أفضل ذهنيا وحتى صحيا، من حياة أطفال المدينة الذين لم يعودوا يجدون مكانا يلعبون فيه نتيجة الإزدحام.
الفضاء هنالك ممتد ومريح، وكل شيء مميز: الكثبان والأشجار والإبل والمعيز والقيعان!
نساء ورجال يقفون على الطريق يتلمسون من يوصلهم إلى أقرب مدينة ليشتروا الخبز والمؤونة كتكنت مثلا – محطة، قد يقفون على الطريق ساعات، صابرون، ثم يذهبون ويعودون فرحين، في أيديهم الشاي والخبز والسكر وما يحتاجون، يقصون قصص تلك الرحلة – مثلما أفعل أنا الآن – تلهيهم أياما مثل، يقولون للمندهشين: توقف لنا واحد طيب وقال كذا وكذا، وتجاوزنا واحد كذا وكذا، ووجدنا في المدينة كذا وكذا… حياة متحركة بالآمال والقصص، لهو ولعب وزينة وتفاخر.

مدينة تكنت

تمتد المدينة من مدخلها إلى مخرجها، على مدى 2-3 كلم (نقريبا)!
وجانبها الذي على يمين القادم من نواكشوط أقل دورا من الذي على يسارها، ودورها متقاربة وصغيرة وتقليدية قد تتخللها شوارع ضيقة، وسكانها بيضان، والزنوج فيها قلة رغم أن مكانهم هو الجنوب.
وفي مدخلها توجد لافتة عليها “فندق الراحة”، عند الدخول منها يمينا تجد نزل “الراحة” ونزل “منى” الذي سكنا فيه، الغرف فيه ب 10 آلاف لليلة، والسويتات (بيت وصالون صغير مع مرحاض ب 15 ألف).
ورغم أن المكان جيد إلا أن البعض يراه غاليا، والصيانة قليلة – وواضح أنها من أوائل الفنادق في المدينة لأنها عند مدخلها، وقديمة شيئا ما من الداخل، فالغرفة التي أخذنا هي نفسنا التي أخذنا العام الماضي، ولم تحصل على أي صيانة منذ ذلك الحين كما هو واضح، بل بالعكس أحسست بأنها أصبحت دون مستواها السابق، وفيها رائحة قليلة في البداية لكنها عادية، ربما رائحة تنظيف – تذهب بعد دخولها، والسجادة التي في الغرفة قِدمها ظاهر، وتحتاج لإعادة تأهيل لرجوع رونقها إليها، فهي شبه متسخة مع أنها نظيفة!
أما السرير وأثاث الصالون فجيد، ويوجد مكيف في الغرفة وآخر في الصالون، والماء موجود في المرحاض لكن أيضا ينقصه صيانة، ولو وضعوا ثلاجة صغيرة وصحن وكؤوس وسلة قمامة صغيرة وصابون إلى آخر الضروريات التي لم يهتموا بها، لكان أفضل (بدو، ولا مشكلة في ذلك، لكن مقارنة مع فنادق نواذيبو: لا مقارنة).
ومع ذلك الغرفة جيدة، والنزل واسع، وصاحبه – أو القائم عليه – يحاول إظهار أنه طيب، والتعامل معه جيد.
وتوجد نُزل في نهاية المدينة، رأيت منها ثلاث، بعضها على الطريق مباشرة ويبدو من شكلها أنها جديدة ونظيفة.
أما الطعام، فتوجد في المدينة عدة مطاعم للوجبات السريعة (الفاست فود)، ويوجد باعة اللحم المشوي أو الكبدة والذروة (الشحم) ب 100 أوقية قديمة للعود (عود الشواء!)، يعني أن 10 عيدان ب 1000 أوقية قديمة وكافية كوجبة غداء، وهي أفضل من السنادويشات والوجبات السريعة.
ويوجد لبن الإبل ولبن البقر، الأول ب 500 والثاني ب 400، اشترينا في الأول لبن البقر فاعتقدنا أنه مخلوط بالماء لأننا لا نعرفه، وتركناه فأصبح كثيف الزبدة، فعلمت أنه جيد، ثم تبين فيما بعد أنه ليس لبن الإبل الذي مذاقه أقوى وألذع.
ويوجد مطعم لبيع الوجبات التقليدية وهي أفضل من الوجبات السريعة، كالأرز باللحم أو بالسمك.
والتجوال في المدينة مساء جميل، فأكثر المقيمين يخرجون للتجول على الشارع وشراء أغراضهم – ويخرجون أيضا صباحا كما في كل مدن الداخل، ولكن السيارات كثيرة ذاهبة وآتية لأن المدينة محطة، والجزء الأيسر في اتجاه نواكشوط أقل حركة وأفضل للتمشي لكن الجزء الأيمن أكثر ناسا وحيوية، وهو الذي فيه السوق والدكاكين.
والناس بسطاء، خاصة الذين لا يغادرون المدينة، وأفضل ألف مرة من سكان العاصمة الذين لم يعودوا ينتبهون لغيرهم!
والبساطة طاغية عليها، حتى أني فكرت ونحن قادمون – لتمضية أسبوع واحد فقط – في البحث عن زوجة، ورأيت واحدة فيها كل الصفات المطلوبة: بياض ووجه حسن ونور ظاهر، لكني جبنت عن الحديث معها وسؤالها أين منزل أهلها!
وكذلك واحدة أخرى كانت…

معذرة، خرجت عن السياق.
خلاصة الأمر أن المدينة صغيرة وبسيطة ومريحة، ونهارها طويل – ربما لأن البركة أكبر، وطبعا الحرارة، وممراتها ضيقة، وبعض دورها مبني على الكثبان، وأهلها بسطاء، وهذا هو أهم شيء، وتصلح للراحة هي وبواديها الجميلة – خاصة الأخيرة، والبعض يفضل الأخيرة لأنها أكثر سعة وطبيعة.

مصادر

موقع الكتروني يحمل اسم تكنت هنا.
صفحة اخبارية باسم تكنت في الفيسبوك هنا.
قناة تكنت في اليوتيوب هنا.

سيد محمد

كاتب قصصي محب للحكاية، أؤمن أن وراء كل قصة فكرة، وفي كل قصة معنى يستحق التوقف عنده. أكتب لأقرب الحلم من الواقع، وأشارك تأملاتي وتجاربي في محاولة لفهم هذا العالم والإسهام فيه بشيء ينفع الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!