رحلة إلى مدينة تكنت موريتانيا

مدينة تكنت التي يحبها كل من تعجبه البساطة، ويحب بواديها ومعيزها وجمالها، وأشجارها وكثبانها.
مدينة تكنت مدينة موريتانية صغيرة تقع جنوبا على الطريق الفاصل بين مدينة روصو على حدود السنغال ونواكشوط العاصمة.
تبعد عن العاصمة نواكشوط ب 110 كلم، 20 منها للخروج من نواكشوط حيث توجد وقفة خاصة بالشرطة. ودونها كرزة (مكان غير مشرع) في الكلم 16، أصبحت مكتظة شيئا، ولا يزال فيها شيء من البساطة والهدوء.
ثم بعد ذلك اجدير، وهو قرية قديمة لم ألاحظها بين البنيان بعد أن زرتها منذ سنين وكان ما حولها صحراء، وهي نفسها صحراء. تقع على بعد 22 كلم إن لم تخني الذاكرة.
ومدينة تَكَنْتْ (الكاف معقودة) مدينة صحراوية تتوسط الرمال (الكاف معقودة).
الكزرة؟
الْكَرْزَة كلمة تعني إحتلال أو إنتزاع أرض شاغرة (أو أي مكان)، وهو حق للإنسان – قبل التدويل: مفهوم الدولة وبعض الحيتان الذين فيها. فالكزرة اسم يطلق على مكان يسكنه ناس بدون ترخيص، ولا تكون هنالك حاجة لذلك أصلا لبعده عن نطاق تنظيمها وضعفها عن الوصول إليه لعدم قدرتها أصلا على تنظيم ما تحت يدها، أما الآن وبعد أن تعلم المسؤولون الطرق الغربية خاصة الرقمنة الملعونة، وتأثروا بتجربتهم المشؤومة في السيطرة على الناس وتحويل العالم إلى قرية واحدة، تتحرك باوامرهم وتحت أعينهم، أصبحت الدول تتطور في هذا الإتجاه، اتجاه التضيق على شعوبها بالضرائب والتتبع، وغير ذلك.
وقد استغربت من سور على الطريق قبل وقفة الشرطة، يمتد لأكثر من كيلومتر، لمن هذا؟ إذا كان لمواطن فهذا لا يُعقل، وإذا كان للدولة فلا ينبغي أن يتحول يوما إلى جيب مواطن مهما كان، ومهما كانت الذريعة، لأنهم مثلما يختلقون الإدارات والوزارات لوضع من يعرفون فيها، يخترعون القوانين والنظم دون خوف من الله، والعياذ بالله!
ترتمي على الطريق دور بنيت في ذلك الخلاء بدون ترخيص طبعا، ربما من الثمانينات والتسعينات وما بعدها، أصبحت مهترئة، أكلها الزمن وتحطمت أبوابها أو صدئت، بعد أن كانت تضج بالحياة، بأجمل امرأة وأفضل بنين، ضحك ولعب وأكل وراحة في ذلك المكان النائي، قبل أن ينعدم المالك أو يفقد شغفه به ويتركه لعوامل التعرية تأكله، وهكذا حال الدنيا كزرع أعجب الزراع نباته ثم يصفر ويصبح حطاما.
أين تلك الحياة وتلك السعادة، أين ذلك الوجه البشوش الذي طالما ابتسم لصاحبه في ضوء الشمس والقمر، في ذلك المكان الجميل بعيدا عن الضجيج؟!
خلونا في الكزرة، فهي – أو هو – عبارة عن مساحة أرضية، كبيرة أو صغيرة بحسب المكان وسبق صاحبها إليه، وفي الغالب مساحات كبيرة مريحة يحس الواحد فيها أنه ملك تحت يده أرض شاسعة، رغم الفقر أحيانا، ليست كالقطع الأرضية – علب السردين – التي تقسم الدولة على الناس في العاصمة بدل التوسعة عليهم.
فتجد الكرزة في الأطراف، ثم تصلها الدولة بعد سنين من العمران، وتدخل إليها وسائلها المملة من طرق معبدة وأعمدة إنارة مهترئة، ودكاكين مشؤومة تبيع المواد المعلبة التي تنافس المواد الطبيعة، وصيدليات تبيع دواء خير منه المرض، فتفسدها وتفسد أهلها.
على الطريق
الطريق مكتظ شيئا ما حتى الكيلومتر 20، ومع هذا عند مغادرة آخر أعمدة بيكا يبدأ الإتساع يلفظ الضيق والبشر شيئا فشيء، ثم بعد الكلم 20، تبدأ المنطقة الجميلة “منطقة القبلة” بأشجارها المميزة التي تذكرني بوقت من طفولتي قضيته في الإنتجاع مع أهل لخيام في تل الصحراء حيث تفوح الأشجار في زمن المطر بعطر لا يُنسى.
وعلى الطريق تنتشر الكزر (جمع كزرة)، متباعدة في تلك السعة، وحولها الكثبان وأشجار لم تعد تُرى في العاصمة بسبب الناس.
وتوجد قرية عند الكيلومتر 42، كبيرة شيئا ما، قبل وقفة الشرطة (وعند العلامة 40 كلم – قبلها ب 600 متر تقريبا، يوجد مكان يهمني).
ثم عند الكيلومتر 65 توجد وقفة الدرك. ثم قبل مدخل تكنت ب 15 كيلومتر تقريبا توجد وقفة شرطة.
لماذا أذكر الوقفات (أماكن توقيف السيارت للتفتيش وغيره)؟
للتذكر، ولينتبه المسافر، الذي عليه التخفيف من سرعته قبلها، ثم وضع الإشارة والتوقف عند علامة “قف” حتى يأمره العسكري بالتقدم، وينتبه لحركاته فقد يأمره بالتجاوز، أو بالنزول عن الطريق.
وفي المجمل كان الله في عونهم، فهم على ثغر، وعلى درجة عالية من الأخلاق والمهنية.
وأهم ما لفت انتباهي في الطريق، شجيراته ورماله اللامعة الجميلة، مناطق رمالها بيضاء كرمال الشاطئ، وأخرى رمالها حمراء، وأخرى قيعان سوداء رهيبة لكن رائعة، كقاع في منخفض أسفل مستوى الطريق تنتشر فيه شجيرات صغيرة كثيفة سوداء مثله تميزه (انظر هذا المقال هنا، فيه أسماء بعض أنواع الأشجار الموجودة في المنطقة)، وفوقه من الناحية المقابلة في مستوى الطريق، كزرات بيضاء جميلة ميزت المكان.
والكزرات الموجودة على طول الطريق، بعضها مسكون، وبعضها خرب مهجور، وبعضها لا يأتيه أهله إلا في الصيف هربا من حرارة نواكشوط ومستنقعاته.
وعلى الطريق أطفال يلعبون… مشاهد رائعة لهم وهم يضحكون، حياتهم في ذلك المكان السعيد أفضل من حياة أطفال المدينة الذين لم يعودوا يجدون مكانا يلعبون فيه بسبب إزدحام الكبار.
الفضاء ممتد ومريح، وكل شيء مميز: الكثبان والأشجار والإبل والمعيز والقيعان!
نساء ورجال يقفون على الطريق يتلمسون من يوصلهم إلى أقرب مدينة ليشتروا مؤونتهم كتكنت – محطة، قد يقفون على الطريق ساعات، صابرون، ثم يذهبون ويعودون فرحين، في أيديهم الشاي والخبز والسكر وما يحتاجون، يقصون على الساكنة قصص رحلتهم العجيبة – كما أفعل أنا الآن لكم – تلهيهم أياما، يقولون للمندهشين: توقف لنا واحد طيب وقال كذا وكذا، وتجاوزنا واحد كالقرد، ووجدنا في المدينة كذا وكذا… حياة متحركة بالآمال والقصص، لهو ولعب وزينة وتفاخر، ولا أحد يفكر في الزوال، إلا ما رحم ربي.
مدينة تكنت
تمتد من مدخلها إلى مخرجها، على مدى 2-3 كلم (تقريبا)!
وجانبها الذي على يمين القادم من نواكشوط أقل دورا من الذي على يسارها، ودورها متقاربة وصغيرة وتقليدية تتخللها شوارع ضيقة، وسكانها بيضان، والزنوج فيها قلة رغم أن مكانهم هو الجنوب.
وفي مدخلها توجد لافتة عليها “فندق الراحة”، عند الدخول منها يمينا تجد نزل “الراحة” و“منى” الذي سكنا فيه، والغرف فيه ب 10 آلاف قديمة لليلة، والسويتات (بيت وصالون صغير مع مرحاض ب 15 ألف).
ورغم أن المكان جيد إلا أن البعض يراه غاليا، والصيانة قليلة – وواضح أنه من أوائل الفنادق في المدينة لأنه موجود عند مدخلها، وقديم من الداخل، فالغرفة التي أخذنا هي نفسها التي أخذنا العام الماضي، ولم تحصل على أي صيانة منذ ذلك الوقت، بل بالعكس تراجع مستواها، وتضمنت رائحة خفيفة في البداية لكن عادية، ربما رائحة قِدم أو تنظيف – اختفت بعد دقائق من الدخول إليها وفتحها، والسجادة التي في الغرفة قِدمها ظاهر تحتاج لإعادة تأهيل لعودة رونقها، بل هي شبه متسخة مع نظافتها، بدا أن أصحاب الفندق لا يهتمون بالصيانة.
أما السرير وأثاث الصالون فجيد، ويوجد مكيف في الغرفة وآخر في الصالون، والماء موجود في المرحاض لكن أيضا ينقصه صيانة، ولو وضعوا ثلاجة صغيرة وصحن وكؤوس وسلة قمامة صغيرة وصابون إلى آخر الضروريات التي لم يهتموا بها، لكان أفضل (لكنهم بدو، ولا مشكلة في ذلك ما داموا على نياتهم، لكن مقارنة مع فنادق نواذيبو أو أطار: لا مقارنة).
ومع ذلك الغرفة معقولة، والنزل واسع، وصاحبه – أو القائم عليه – يحاول إظهار الطيبة، ولا مشكلة في التعامل معه. سألته مرة هل تصنعون غداء؟ فقال نعم، فقلت بكم لشخص واحد، وتوقعت أن يقول 3 آلاف، فقال 7 آلاف قديمة أي إذا كان يقصد ليوم واحد – وذلك هو الراجح لأني لم أكله في الموضع بعد جوابه – فهذا يعني أن وجبة غدا ثمنها أكثر من نصف ثمن الغرفة لليلة!
وكذلك جئته زوالا أسأله عن كلمة سر الويفي، فقال سأرسله لكم ثم، لم يرسل أحدا حتى جئناه ليلا. وإذا طلبنا من أحد الخدم ان ياتينا بشيء فلا بد من متابعته حتى يجلبه، وإلا نسيه!
وتوجد نُزل في نهاية المدينة، رأيت منها ثلاث، بعضها على الطريق المعبد، ويبدو من شكلها أنها جديدة ونظيفة.
أما الطعام، فتوجد في المدينة عدة مطاعم للوجبات السريعة (الفاست فود)، ويوجد باعة اللحم المشوي والكبدة والذروة (الشحم) ب 100 أوقية قديمة للعود (عود الشواء!)، يعني أن 10 عيدان ب 1000 أوقية قديمة وهي كافية كوجبة غداء أو عشاء، وأفضل من الوجبات السريعة.
ويوجد لبن الإبل ولبن البقر، يتوفر بعد صلاة العصر، والأول لتره ب 500 أوقية والثاني ب 400، اشترينا أولا لبن البقر بالخطأ فلم تسمعنا البائعة وأعطته لنا بعد أن طلبنا لبن الإبل، فاعتقدنا أنه مخلوط بالماء لأننا لا نعرفه، وتركناه فأصبح كثيف الزبدة، فعلمت أنه جيد، ثم تبين فيما بعد أنه لبن البقر، ولبن الإبل مذاقه أقوى وألذع.
ويوجد مطعم لبيع الوجبات التقليدية كالأرز باللحم أو بالسمكن وهي أفضل كثيرا من الوجبات السريعة.
والتجوال في المدينة مساء جميل، فالمقيمين يخرجون للتجول على شارعهم المحبوب – مثل سكان بتلميت – وشراء حاجياتهم – ويخرجون صباحا أيضا، ولكن السيارات كثيرة، ذاهبة وآتية لأن المدينة محطة، والجزء الأيسر في اتجاه نواكشوط أقل حركة وأفضل للتمشي وفيه الإعدادية أو الثانوية، أما الجزء الأيمن فأكثر حيوية، وفيه السوق والدكاكين.
وسكان المدينة بسطاء، خاصة المقيمون، وأفضل ألف مرة من سكان العاصمة الذين لم يعودوا ينتبهون لغيرهم.
والبساطة طاغية عليها، حتى أني فكرت ونحن قادمون – لتمضية أسبوع واحد – في البحث عن زوجة، ورأيت واحدة فيها كل الصفات التي أريدها: بياض ووجه حسن ونور ظاهر و… لكني جبنت عن الحديث معها وسؤالها عن منزل أهلها!
وكذلك واحدة أخرى كانت…
معذرة، خرجت عن السياق.
الخلاصة هي أن المدينة صغيرة وبسيطة ومريحة، ونهارها طويل – ربما للبركة، وطبعا الحرارة، وممراتها ضيقة، وبعض دورها مبني على الكثبان، وأهلها بسطاء، وهذا هو أهم شيء، فتصلح للراحة هي وبواديها الجميلة، والبعض يفضل الأخيرة لأنها أكثر سعة وطبيعة.
تكنت في الإنترنت
موقع الكتروني يحمل اسم تكنت هنا.
صفحة اخبارية باسم تكنت في الفيسبوك هنا.
قناة تكنت في اليوتيوب هنا.
الغريب أني بحثت عن صور جميلة لها أو لنواحيها فلم أعثر على شيء!
وودت لو كانت معي كاميرا جيدة لأصور بعض مناطقها (فيديو وصورة).
محب التوحيد