قصصي وخواطري

عالم الضياع

أراها واقفة بسكون… والعاصفة تكاد تقتلعها من مكانها… عاصفة هوجاء أثارت في أعماقي الكثير من الرهبة والتساؤلات… لا حراك للهواء فيها ولا صفير كما هو معتاد في أمثالها، لكن رغم ذلك كانت تقتلع أمهات الأشجار وتطيح بها بعيدا في غياهب النسيان…

وقفت باستسلام وسكون… يتطاير شعرها الحالك الطويل في كل الاتجاهات… تنظر بحزن وشرود إلى حيث أطل عليها، كأنها تريد اختراق المكان والزمان بنظراتها الساهمة الحزينة… غير مبالية بما يحيط بها من ظلام وأهوال…

كان المكان غريبا ورهيبا إلى أبعد الحدود… لم أستطع تحديد معالمه جيدا رغم المحاولات… امتزج فيه نور خافت كئيب بظلام دامس شديد، كأنه قطعة من عالم رهيب… وقفت فيه بذهول، لا أدري أين أنا منه… بذلت قصارى جهدي لرؤية وجهها الصغير… قاومت الظلام لأقتبس من نوره ما يكفيني لأيام…

كان الضوء الخافت المنبعث يحيي في داخلي أملا برؤيتها… بالغرق في حبها كل يوم…

أرفع صوتي عاليا، وقد أخذتني النشوة وهزت كياني كله موجة من الطرب: هيه أنت… كم أحبك… كم أرغب في وضع يدي في يدك وقضاء بقية أيامي معك… لا تحزني، سأمسح جبينك المتعرق بأناملي المرتعشة، وسأعيد إلى وجهك الجميل ابتسامته التي ضلت الطريق…

لكنها لم تسمع ندائي، أو تستجب لصراخي… كانت سجينة ذلك العالم العاصف المتقلب… مما دفعني إلى تخيل معالم وجهها الذي حجبه الظلام عني… نفس المعالم التي تخيلتها في فتاة أحلامي… نفس الهدوء والرزانة والجمال.. نفس الصوت الخافت العميق الذي ينساب كنغمة موسيقية حالمة بين الورود… تمنيت لمسها ولو بأطراف أصابعي… ضمها بعطف وشوق إلى صدري… تمنيت أن تكون لي وحدي… أن أتقدم خظوة للحصول عليها… وقفت لأندفع نحوها، لكن الشجاعة خانتني والهمة خذلتني… والعجز أقعدني…

قاومت الضعف والجبن، لكني كنت أضعف من أن أتقدم خطوة نحوها… سقطت على ركبتي، وألقيت رأسي بينهما… وبكيت كطفل محروم… بكيت شبابها وجمالها… ومن عالمها المخيف…

استمرت في سكونها كلوحة باهتة لجمال يعبر في الظلام… لا تسمعي ولا تحس بوجودي… ولا ترى غير الضياع…

عالم الضياع

أغمضت عيني باستسلام ومرارة… وأنا أدفع خيالها الذي ظلمته بعيدا عني بمنتهى القسوة والأنانية… لن تكون لي أبدا… إنها فاسدة… إنها… إنها…

تستغيث!

شفتاها الصغيرتان تتحركان بارتجاف، تتمتمان بكلمات مبهمة، وهي تشير إلي مستنجدة بوهن… إنها تهمس كمن يلفظ أنفاسه: تقدم ولا تتردد… تحمل عيناها من التوسل ما لم أر مثله من قبل… تكاد أناملها المرتعشة الممتدة نحوي تلامس جسدي رغم المسافة الكبيرة التي بيننا…

كلماتها الضعيفة تتردد بخفوت في معمعة العاصفة: أنقذني… انتشلني من الضياع… ارحمني… أتوسل إليك… سأحبك كما لم أحب أحدا قبلك… سأكون لك إلى الأبد، ولن أفكر أبدا في غيرك…

انقطع صوتها المتحشرج… وازداد الظلام كثافة… وازدادت العاصفة جنونا… وبدأ العدم يعتصر المكان بقيضته، وبدأت الضوء الخافت يغرق في الظلام… إن جسدها الصغير يتلاشى شيئا فشيئا… تتبعه نظراتها المتشبثة بي… كلماتها تبتعد: سأحبك كما لم أحب أحدا من قبلك… سأكون معك كل الحياة… سأ..

ارتفع صوت ثائر في أعماقي: هيا أيها الجبان… أنقذ حبيبتك من الضياع… أنقذ نفسك من الحرمان… كن شجاعا ولو لمرة يا أخي… مد يدك وانتشلها من الضياع… لا تخش الظلام.. لا تفكر في الناس… لا تخش العاصفة… ولا تسمح لها بأن تحول بينك وبينها… لا تكن أنانيا مثل الآخرين… فكر في التي تحب من أعماقك…لقد وعدتك بأن تستقيم… فكر في الظلام الذي ينتزعها منك… لا تخش الهمسات ولا اللعنات… فإنهم دائما يلعنون… ودائما يتهامسون…

هيا… إنها الفرصة الأخيرة قبل الضياع…

صحت…

لا… لا أستطيع…

لا أملك العزيمة والشجاعة الكافيتين… لا أملك القوة لتجاوز الماضي والظلام…

انعدمت الرؤية… واختفت الحبيبة…

ابتلعها عالم الضياع…

أعدت رأسي المثقل إلى ركبتي، وأطلقت لدموعي العنان… بكيت قدري وقدرها… حبي وحبها… كم كانت جميلة وطيبة، تستحق كل خير…

لكنها كانت… فاســ….

رفعت رأسي… ومسحت دموعي…

مهلا… إن العاصفة التي ابتلعتها تتجمع حولي… نفس الصمت والظلام… ونفس الضياع…

النجدة… من تنتشلني من الضياع؟

من تنقذني من هذا الظلام؟

من تقبل بمحب يعيش في ماضيه…

عالم الضياع

سيد محمد

من موريتانيا، محب للقصة، أؤمن أن وراء كل حكاية فكرة أو مصادفة، وفي كل خرافة معنى يستحق التوقف عنده. أشارككم تأملاتي وتجاربي، وما أرجو أن يكون نافعا من تخاريفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!