سبرايت في حي ك (Ilot K Nouakchott)

أيكم استمتع في الزمن الجميل بشرب Sprite سبرايت في “حي ك” القابع في وسط المدينة المتناقضة نواكشوط دون أن يلحظه أحد؟
حي الأشجار المتكاثفة والكلاب الأوروبية الضخمة، والجمال والهدوء.
الحي الذي يختلط فيه المختلطون من المحليين، بيضا كانوا أو سودا، بالأوروبيين والروس، الكُلّ يسكن جنبا إلى جنب في وئام وانسجام.. والفتيات الجميلات من كل جنس ولون يتجولن في المساء في ذلك المكان النظيف الرائع المجهول لدى سكان العاصمة رغم وقوعه في وسطها، كأنه بقعة مخفية بطلاسم سحرية !
كان ولا يزال أجمل مكان عندي..
كان لي صديق روسي علمني اسم البنطال بالروسية فأخبرني أنه: “بِرْيُوكِي” !
تُرى هل يكفي أن نتعلم قليلا ننطلق منه أم لابد من الانتظار حتى يكتمل التعليم الذي قد لا يكتمل فنكون كمن كان بجواره مجرى مائي ضيق، في مكان يمكنه فيه صناعة قارب، فوضع أساسه ولم ينطلق؛ انشغل بإحكامه وضبطه حتى يكتمل، فجف النهر ولم يعد يستطيع الإبحار.
هل قاعدة: العمل بالعلم ولو قليلا، والانطلاق من الموجود، أفضل من الانتظار الذي قد يطول؟
عجبا للغات الأوروبية رغم أن مصدرها فضائي – كلغة الكائن الذي في فيلم “Disclosure Day” هنا – إلا أن أهلها حريصون على العمل بها وإحيائها، فتجد الألمان لا يقدمون شيئا على لغتهم العجيبة سهيمة الليل، وكذلك الصينيون والهنود وغيرهم، إلا العرب؛ يقدم أكثرهم كل شيء على لغته لغة القرآن!
بل يقدمون غيرهم على كل ما يمت إلى أصولهم وثوابتهم بصلة، فما سبب انعدام الثقة هذا، قطعا الذوبان في حضارة القوم أحد أهم الأسباب، ويبدأ بالانسلاخ من اللغة؟
يعطون الدنية في كل شيء، حتى دينهم وأصولهم وثوابتهم؛ مسموح لكل أحد أن يناقشها ويعترض على ما شاء منها ويطالب بتغييره باسم المجتمع الدولي، ولو كان القرآن الكريم!
ولا يستطيعون الإعتراض على الآخر حتى عندما يكون ظلمه كالشمس في واضحة النهار، ولا يستطيعون قول ثلث الثلاثة كم له في دينه، وثوابته الفاسدة؟
لعبت الكرة مرة مع فرنسية صغيرة كانت تجلب كرتها إلى اكبر ساحة في الحي لتلعب مع الذكور متحدية، فمررت الكرة بين رجليها بطريقة مهينة فضحك الصغار، فغضبت وأخذت كرتها ودخلت إلى منزلها ولم تعد ثانية!
ما أشد حساسية الانسان!
أو دراجتي الصغيرة BMX ذات النوابض المميزة، التي كنت أقفز بها على العتبات بسعادة، وأجوب طرق الحي غير المعبدة بكل انطلاق!
أو أجهزة الألعاب أيامها، كنا نقضي الساعات أمام Spectrum و Family Computer في منزلنا، الذي كان الوحيد الذي يجمع كل أطفال الحي. كرة القدم، تلك اللعبة الجميلة التي تجمع الأطفال والشباب وحتى الكبار في كل مكان، وتعطي لكل واحد رتبته بحسب تميزه (المميزون فيها هم القادة) !
لا أنسى أني تعرفت من خلالها على معظم شباب المدينة التي أدرس فيها في غربتي من خلال كرة القدم.
لكن احذر، مشاهدة كل دوريات العالم مرة واحدة غباء وتضييع للوقت والعقل، بل تتبع دوري واحد بجنون أمر لا يليق بالمسلم العاقل، وإذا كنت تشاهد فقط مباريات فريقك الذي لا يعرفك ولم يسمع بك، وقد يكون لاعبوه من الكارهين لثوابتك، فاعلم أن كل مباراة تستغرق الآن أكثر من ساعتين بعد تعديلات الفيفا الأخيرة.
إضافة إلى عذاب الاستماع لهذيان معلقي قناة الجزيرة الذين أفسدوا اللغة والعقول، وما أقبح رؤية شائب يشجع فريق كرة قدم بتطرف كالمراهقين. الأمر قبيح حتى في المراهقين!
ونتيجة المباراة على كف عفريت؛ لا أحد يضمنها، وكل يلعب بالحظ وحرارة الأجواء ورطوبتها، إضافة إلى تقلبات مزاج اللاعبين ونفسياتهم، والمدرب والمعلنين، فما سر كل هذا الأمل والتفاؤل الذي نجده عند المشجعين المتطرفين؟ وعلى ماذا كل هذا التشجيع؟ كأن الواحد منهم ضامن فوز فريقه!
ورغم أني لاعب جيد في كرة القدم ☺️، وكنت أشجع ريال مدريد الذي يضع إشارة دينية، هو وأغلب الفرق الأوروبية (ولا أعرف ما علاقة الكرة بالصليب عندهم؟! هل كان أولياؤهم الصالحون يلعبونها؟)، إلا أني أدركت أن هذا التشجيع مجرد تضييع للوقت، بل هو نوع من الجنون، مرهق للنفس والعقل، ويحرم من التركيز على ما ينفع لأن البال واحد، ولا توجد أي متعة في تلك النفخة الشيطانية التي تجعل الواحد يحس بالتميز والتفوق على غيره، ويتنمر عليه!
فهل من أسباب هذا التشجيع الزائد التفاخر الذي يحبه البشر، حتى أصبح بعضهم يتعالى على بعض بالفرق الأوروبية التي لا علاقة لها بأهله؟
وترى أكثر المشجعين لا يعرفون لعب كرة القدم، وهذا النوع يضحكني لأنه الأكثر تعصبا وضلالا في الرأي!
كريستيانو ونيمار وحتى ميسي عنده في درجة عالية، وهذا غير صحيح، أفضل منهم مثلا: مارادونا ورونالدينهو وروماريو، وزيدان وجوارديولا وغيرهم.
يوجد فرق بين ذلك الموديل من اللاعبين وبين الموديل الصيني الجديد: ميسي وكريستيانو ونيمار ولمين يماروالحوت. قد تكون لدى بعضهم سرعة وقدرة على التهديف، وبعض المراوغات، أغلبها مسروق من رونالدو البرازيلي الذي كانوا متأثرين به وهم أطفال. لكن تظل مستوياتهم عادية، ولا يستحقون حمل شارة الكابتن لأن الفريق لا يقوم عليهم، وإذا حملوها كميسي وكريستيانو فبشكل رمزي ونتيجة لشهرتهم فقط لا أكثر ولا أقل.
ولا أنسى كلبنا الضخم “Coltie” المشهور الذي كان رمزا لطفولتنا (اسمه اسم فرقة روك قديمة)، والذي انتقل معنا من المقاطعة الخامسة الجميلة أيامها، والتي لنا فيها قصص جميلة هي الأخرى، إلى “بوحديدة” الجميلة حيث منزلنا الجديد الواسع المميز في أعماق الحي وبدايات الصحراء الممتدة خلفه، كانت بقعة جميلة ببساطتها وبعدها، كثيفة الأشجار، كثيرة الأطيار، لا أنسى صيدنا لبعضها وشيه على العيدان اليابسة والتلذذ بأكله، وبالفعل لحم الطير المصطاد مميز.
إضافة إلى مساحات شاسعة كنا نلعب فيها كرة القدم، وكثبان عالية ممتعة في التزحلق والشقلبة بعد نزول المطر المبهج.
وهنالك، في ذلك المكان الرائع، تعرفنا (أنا ورفيق الدرب محمد)، على بعض الأصدقاء المميزين الذين نسيتهم اليوم!
نعم، نسيتهم تماما!
وهنالك كنت أقضي اليوم في قراءة سلاسل “حمزة البهلوان” و“فيروز شاه” و“سيرة عنتر”، وقصص أجاثا كريستي، كنت أقرأ القصة من الصباح حتى المساء، حتى أني عندما أقف أحس بدوار قليل! 😂
بالمناسبة حاولت تقليد أوصاف تلك المبارزات والبطولات في روايتي “مدينة العواصف”، وكذلك “فرسان الظلام” هنا.
فما أجمل تلك الأيام، أيام الشباب والإنطلاق.
بعدها انتقلنا إلى “حي ك” الجميل، وانتقل معنا الكلب الوفي الذي كان رمزا لنا؛ إذا قيل: فلان وفلان، قيل: أصحاب الكلب الضخم؟ وظل معنا فيه سنين عديدة في سعادة ورخاء حتى مات، ودفنته أسفل منزل ضخم يقيم فيه اليوم سفير غربي أو مسؤول كبير، لا يعلم أن كلبا أشرف منه يرقد تحته في ذلك المكان !
كان يُسابقنا نحو المحيط الذي لا تفصلنا عنه إلا بضع كيلومترات، وكان في منتصف الطريق إليه كثيب صلب، أو هضبة مرتفعة، تميز المكان، كنت أصعد إليها لأفرد جناحي الصغيرين على الأحياء القابعة أمامي، وكان المكان خاليا، فانظر كيف أصبح مكتظا بالدور والبشر اليوم!
وكان موقع سفارة أمريكا الآن تجمعا للأوساخ (ولعله لا يزال لأنها فيه) !
كانت أياما جميلة لا تنسى، أيام السعادة والبراءة والبساطة والجمال والاندفاع.
أيام الحب الفطري البريء، والشابات المحليات والأوروبيات والروسيات، والمختلطات الرائعات، اللواتي كن يمررن حوالينا في الحي دون أن نوليهن أدنى اعتبار، إذ كانت الأولوية لكرة القدم التي تشغلنا ! براءة!
وشابات أوروبا اللواتي كن يدرسن بجوارنا في المدرسة الفرنسية القابعة في أعلى الحي، ببياض بشرتهن ونظافة شعورهن الطويلة والمقصوصة المميزة، وجمالهن الأخاذ!
أو حب الصغر، ولا أعرف كيف أصف لكم ذلك الشعور الجميل – وأنتم أدرى طبعا، لكن لنقف قليلا مع هذه القصة الطفولية الغريبة التي أذكرها للاستئناس، كانت طفلة وكنت في الثانوية، فهل يعقل أن يعجب من في الثانوية بطفلة؟ وما أدراك ما الثانوية! 😂
عجيب أمر ذلك الانجذاب الذي يعيش البعض كل حياته له ولا يحصل منه على شيء في أغلب الأحيان !
إنه طبع في النفوس، لا شك في هذا، إحساس بالحاجة إلى إلف حبيب، إلى قربه ووجوده، والغوص في حبه، ومداعبته، والمضي معه قدما في هذه الحياة!
أكثرنا يعيش لأنثاه، وينسى أبويه أحيانا!
يترك كل شيء لأجل امرأة! فأي قوة تلك التي تتمتع بها تلك المخلوقة الضعيفة التي أخضعت الجبابرة؟!
أمر عجيب يدل على طبع الدنيا التي لا صفاء فيها ولا كمال، بل لا منطق ولا عقل أحيانا إذا تغلب الهوى.
كانت صغيرة بيضاء جميلة مميزة ذات شعر أسود حالك طويل، أو ربما رأيتها بعين الإعجاب؛ فهي ترى أحيانا ما لا يراه غيرها. ورغم أني لم أعرفها جيدا إذ غادرت أسرتها الحي باكرا، ولم أهتم كالعادة، إلا أني أحسست يوما بسعادة غامرة وأنا أتأمل وجهها المشرق الجميل في صباح مطير. كان الجو باردا حالما منعشا، فهل تسهم الطبيعة في نفخ السعادة في نفوسنا؟! ما أجمل التجارب الأولى، وما أكثرها براءة وروعة.
ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي بات المطر ليلته ينهمر فوق رؤوس منازلنا، وأصبحنا والغمام كثيف، والزخات خفيفة، وخرجت ضاحكة مشرقة فرحة، فأحسست بسعادتها وودت لو لعبت معها!
بالمناسبة كنت قد سمعت في ذلك اليوم أغنية متناغمة مع ذلك المطر والجمال (تعلالي لوليد توفيق)، فزاد ذلك من طربي وشطحات خيالي.
واختتمنا ذلك اليوم الغابر الجميل بركوب دراجاتنا الهوائية والتوجه جنوبا نحو الهضبة المميزة التي تقع في فضاء شاسع دون المحيط بقليل، وكان معنا كلبنا المميز، أقرب أصدقائي حينها، يركض حوالينا بسعادة.
وكم كانت فرحتنا بالجو البديع، وكم كان انطلاقنا في ذلك الفضاء الممتد الخالي الذي أصبح اليوم عامرا بالبنيان! حتى إني أستغرب كلما مررت به كيف كان خاليا في ذلك الزمن الجميل.
كان يوما لا يُنسى.. وكانت صغيرة لا تُنسى!
فهل أحببت يوما في طفولتك؟
ربما كان مجرد انجذاب، فأكثر تجاربي مجرد انجذاب، على قلتها وكثرة اللواتي كن يستحقن أن أضع يدي في أيديهن، أو لنقل يد إحداهن على الأقل، لأمضي معها في هذا الطريق تؤنسني وأؤنسها.
الحياة يا صديقي عبارة عن تجارب، والعاقل هو من يبدأ دون تردد بعد البلوغ، بتحصين نفسه ضد الشيطان قبل كل شيء، وحبذا لو كان ذلك عن حب وجمال. الدنيا وهم عابر، علينا اغتنام الفرص المتطايرة فيه، والعاقل من يكسر قيوده ويقفز على الفرصة حين تمر بجانبه، ويتمكن منها.. ثم يأكلها!
أو المركز الثقافي الفرنسي، وما أدراك ما المركز الثقافي الفرنسي أيامها، كان حمل بطاقة الانتساب إليه وحده يبهج نفوسنا، كان مركز السعادة واللقاءات والمهرجانات، كنا نشاهد فيه الأفلام والحفلات، ونطالع كتب المغامرات المصورة في مكتبته المميزة التي لخصت فيها دروسي في الرياضيات التي تركت في المدينة التي كنت أدرس فيها في الخارج، والتي كنت أعتقد أني سأرجع إليها… لكن إلى يومنا هذا!
وكانت تجلس بجانبي في مكتبة المركز شابة موريتانية يخيل لمن يتأمل وجهها الجميل أن النور يشع منه، ذات تميز ووقار، تعرفت عليها – أو رأيتها بمعنى أصح – في الدار البيضاء، في المنزل الذي كنت أتخذه محطة عبور إلى الشمال، فليتني اتخذتها رفيقة درب واسترحت من العناء.
كم يدفعنا تأخير الزواج، بسبب أوهام العجز وانتظار الكمال، إلى التعب والعناء، حفظنا الرب من الشقاء.
لا تلق بالا لكلمة “لو”، فهي تفتح باب الشيطان.
ألا تلاحظ أن الفعل “كان“، يطغى على الخاطرة؟
لماذا في رأيك؟
أيها الشاب، لو خرجت من هذه الخاطرة بنصيحة واحدة، وهي: “تزوج، ولو أوهمك الشيطان أنك لا تستطيع”، لكفاك ذلك فائدة. واسأل مجربا ولا تسأل طبيبا: لا راحة لغير المتزوجين! لا تجعل انتظار الوظيفة أو اكتمال الأحوال عائقا لا ينتهي؛ تزوج واسع وخذ بالأسباب، فالرازق هو ربك الكريم.
ومن أجمل فتيات الحي عندي فتاة محلية، تميزت بجمالها رغم المنافسة الشديدة.. بريئة طيبة حيية محبة للسلام، ترد التحية من بعيد.. ومع ذلك لم أكلمها، ولا أعرف لماذا؟ أو لا أرغب في ذكر السبب.
كان ذلك في بداية سفري للدراسة بعد الباكالوريا، فكنت أغيب العام كله تقريبا على مدى سنين، ولم أتفرغ لها، ولا لأصدقاء في أجمل أيام صحبتنا، ولا للحي الصغير الذي تركت خلفي، فضاعت الفرص كالعادة.
أما اليوم فقد أحاطوا الحي الخالد في ذاكراتنا بالطرق المعبدة التي لا تجلب إلا ضجيج السيارات ودخانها والمتسكعين والأوساخ، فتحوا عليه الأحياء الشعبية المكتظة التي لم يكن أهلها يعرفونه لانعزاله، مثل المقاطعة الخامسة التي أصبحت اليوم بلدا إفريقيا آخر!
واتخذه أحد الحقوقيين المزعجين الكذابين مقرا، فجلب إليه الصداع، وأقلق راحة أهله بمظاهراته التي كان يعترض فيها على نتائج الانتخابات مثل اعتراضه على كل شيء.
ورغم ذلك لا يزال جميلا، مجهولا إلى حد ما لدى الكثيرين، لا يمر به من ليس منه إلا عابرا، أو صاحب سيارة يختصر الطريق، ولا يزال فيه ذلك المزيج العجيب من الأوروبيين والمحليين حتى اليوم، وهو ما أدهشني!
نفس الشابات الأوروبيات والمختلطات يجبن شوارعه بسعادة كما كان سابقاتهن الرائعات يفعلن!
ولا تزال الأشجار والكلاب الأوروبية تميزه، باقية ببقاء أصحابها الذين يفضلونه على كل أحياء المدينة.
أما أصدقاؤنا الرائعون فقد فرق الدهر بيننا وبين أكثرهم، وتراكمت السنون بيننا وبين البراءة الماضية كأسوار عالية، وبدأ البنيان يطغى على الحي مهددا بسلبه ما بقي فيه من بساطة وجمال.
كانت أياما لا تنسى أحببت أن أستعيدها معكم في لحظة صفاء..
بالمناسبة لم أقع في حب أي واحدة منهن 😊، ربما كان هنالك إعجاب، وإعجاب قوي، لكنه إعجاب فقط، ربما لأني لم أتعمق فيه، ولم أرم بنفسي بسهولة في بحره المتلاطم بحثا عن كنوزه. ولو صادقت إحداهن صداقة حقيقية أيامها، لربما تحول الإعجاب إلى حب كبير، لكن بقي في نفسي موقف إحداهن؛ فقد كانت تحييني بطيبة وإقبال، وكنت أرد التحية وأنا أنوي الفرار! فليتني لم أفعل، لربما لم يضع كل ذلك العمر في التردد.
ولم أعجب بواحدة فقط، بل بغيرها كثير… أو قليل بمعنى أصح! كنت من النوع الذي قد يعجب بقوة، لكن ببطء ودون تعمق؛ إعجاب بدون تجربة مباشرة، كما لو كنت محصنا ضد الحب، وأعتقد أن هذا النوع موجود، فهل ذلك التحصين ميزة أم أنه حرمان؟!
أما الهائمون من أهل الرقة، وهم النوع الآخر، فتبكيهم الأغاني في لحظات الصفاء، ولا يترددون في رمي أنفسهم في أمواج من يحبون، وكثيرا ما يخرجون منها بصدمة.
والعاقل من كان هدفه الزواج، وقفز الحواجز التي تحول بينه وبين غايته.
لطالما اعتبرت الحب ضعفا وذلة، حتى إني قلت عنه في إحدى قصصي إنه: “سخافة من آمن بها وقع فيها!”.
وكان مما يثير التقزز لدي تذلل المحب لحبيبته، كنت أراه كالكلب الذي يهز ذيله نفاقا لها، وأكثرهم يفعل ذلك لنوال مراده، للمصلحة فقط، لأنها صفة من صفات المنافقين.
تأمل في حركات شاروخان في أفلامه وهو يظهر الحب الكاذب!
مقرف، أليس كذلك؟! ما أشد بروده حينها ومع هذا يعجب ذلك الكثيرين، كإعجابهم وإعجاب المعنية بتذلل المنافقين، وحتى الصادقين.
تقززت مرة من أحدهم، أتاني في أحد أحياء العاصمة البعيدة، كنت قد تعرفت فيه على فتاة رائعة كانت تشتري الكسكس ليلا لأهلها، فأقبلت عليها محادثا بحديث سخيف، فردت، ورافقتها إلى منزل أهلها، وانبنت بيننا علاقة بريئة، فكنت التقي بها لتبادل الأخبار كل يومين أو ثلاث، فجاءني ذلك العاشق الأناني الذليل الذي كان قد سبق إليها، وقال متوسلا: أرجوك، ابتعد عنها، اتركها لي فأنا أحبها كثيرا!
ويبدو أنه لجأ لذلك كحل أخير بعد أن حاول معها بكل الطرق الممكنة، فهل هي خسة ولئامة وشراهة؟
أحيانا أكره البشر لمثل هذه الأسباب، وحتى الآن 😊!
كيف يحترم مثل هذا نفسه أو يحترمه غيره، خاصة زوجته؟!
أخجلني الموقف واحترت، كنت بريئا لا أصدق أن مثل هذا النوع موجود، وفي اللحظة نفسها أقبلت هي مغضبة، ووقفت بيننا في ذلك الظلام، وقالت له وهي تصيح: لا أحبك، ألا تفهم؟ دعني وشأني. فذهب منكسر الخاطر، والتفتت إلي وقالت: لا تلق له بالا ولا تشغل به نفسك فهو غير مهم.
فليتني عملت بنصيحتها، فقد كانت تناسبني، لكني حزمت حقائبي ليكون ذلك آخر عهدي بها!
كانت تستحق العودة إليها، غير عابئ بذلك الجبان، واتخاذها رفيقة درب وحياة؛ فقد كانت مميزة مرحة، تصلح للزواج!
فهل تزوجها بعد ذلك؟
من يدري؟
أصحاب مثل هذه التصرفات يفوزون غالبا، بعكسي، لأن أساس هذه الحياة هو الصراع على ما نريد، وكثرة الطرق تفتح الأبواب، كما أن كثرة النقر تثقب الصخور!
لكني، ربما لبراءتي، وحتى الآن، أكره الضجيج والزحام، وأفر منهما إلى الأمام، لأكتشف في كل مرة أن فراري ذلك يبعدني عما أريد!
أعترف بأني كنت أرى في إحداهن منتهى الجمال واللطف والسطوع؛ كانت شمسا في عيني وغيرها نجوم.
ملاحظة:
قد يقول بعض مدعي الكمال: ما هذا الكلام السخيف، هذه أحلام عصافير وأطفال!
فما الجميل المميز في حياتنا غير أحلام العصافير والأطفال يا عصفور؟
إنها قصص مرحلة من مراحل الحياة، قد تعد من أصدق مراحلها وأجملها!
مرحلة الذكريات البريئة الجميلة!
فاترك عنك الكبر والتعالي، ففي داخل كل واحد منا طفل صغير.
أطلق العنان للطفل المقيد في أعماقك لتضحك ضحكة صادقة من قلبك، وتستريح قليلا من أعباء مسرحية الحياة المملة التي إما أن تكون أحد أبطالها العظام بالتقوى وحدها، أو تكون أحد مجرميها.
صورة لبعض مشروبات ذلك الزمن الجميل
طالع أيضا: صور من موريتانيا هنا، يتضمن بعض الصور المميزة والتعليق عليها.
أيها القارئ، إذا كان عندك رأي فيما قلته، فتعال نستعرض رأي صديقنا شات جي بي تي في الخاطرة، ثم لك مجال التعليقات أو التيكتوك للنقاش، فلا شيء أفضل من الحوار:
قال شات جيبي تي: من خلال النص الذي كتبته، أرى أن التردد عندك تجاوز في بعض المواقف حد الحذر النافع إلى تفويت الفرص. لكن لا أستطيع أن أحكم على شخصيتك كلها من خاطرة، ولا أرى أن العلاج هو الانتقال إلى النقيض: الزواج السريع من أي امرأة لمجرد أن الوقت يمضي.
المشكلة التي تتكرر في قصصك ليست قلة الفرص، بل أنك ترى المرأة مناسبة، ويحدث قبول أو تواصل، ثم تبحث النفس عن سبب للتأجيل أو الانسحاب: سفر، انشغال، وجود منافس، انتظار ظروف أفضل، أو ببساطة عدم المبادرة. وبعد أن تنتهي الفرصة تبدأ رؤيتها بوضوح أكبر. هذا النمط، إن كان وصفك لنفسك دقيقا، يستحق أن تقطعه الآن إن لم تكن متزوجا.
والوقت بالفعل عامل حقيقي. ليس بمعنى أن عليك أن تخاف أو تتزوج تحت ضغط العمر، وإنما لأن فكرة «سأتزوج عندما تكتمل الظروف» قد تصبح فخا؛ فالظروف الكاملة قد لا تأتي أصلا. والإنسان كلما طال به نمط العيش منفردا قد يزداد اعتيادا عليه، وتصبح شروطه أكثر، وقدرته على التنازل والتكيف أقل.
وأختلف قليلا مع العبارة التي وضعتها في الخاطرة: «اكسر قيودك واقفز على الفرصة… ويتمكن منها ويأكلها». تصلح ساخرة في النص، أما في الزواج فالأفضل: لا تقفز على المرأة، بل اقفز على ترددك. الفرق مهم جدا.
إذا وجدت امرأة فيها الدين والخلق والقبول المتبادل، وتشعر أنك تستطيع العيش معها واحترامها وتحمل مسؤولية بيت معها، فلا تنتظر أن تجد امرأة كاملة، ولا أن تصبح أنت كاملا، ولا أن تصبح حياتك خالية من المشكلات. ابحث بجدية، تعرف بالطريقة المناسبة، اسأل عما يهمك فعلا، استخِر واستشر، ثم اتخذ قرارا في مدة معقولة. وإن ظهرت أسباب حقيقية للرفض فارفض، أما إذا لم تجد إلا ذلك الصوت القديم الذي يقول «ليس الآن، ربما لاحقا، ربما توجد أفضل»، فهنا ينبغي أن تشك في التردد نفسه لا في الفرصة.
والقرآن نفسه يواجه تحديدا حجة الفقر في سياق الزواج: «إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله» في سورة النور، مع بقاء مبدأ السعي والأخذ بالأسباب. لذلك ففكرتك السابقة «لا تجعل انتظار الوظيفة أو اكتمال الأحوال عائقا لا ينتهي؛ اسع وخذ بالأسباب» أضبط من «لا تنتظر وظيفة ولا عملا».
وأرى من خاطرتك شيئا آخر مهما: يبدو أنك كنت أحيانا تتعامل مع الانسحاب باعتباره حفاظا على الكرامة والاستقلال، بينما قد يكون في بعض المواقف مجرد خوف من الدخول في تجربة لا تستطيع التحكم في نتائجها. المبادرة المحترمة ليست تذللا. أن تقول لامرأة مناسبة إنك راغب فيها للزواج ليس ضعف شخصية، وأن تتحمل احتمال رفضها ليس إهانة. التذلل شيء، والمبادرة شيء آخر تماما.
لذلك، لو كنت مكانك، لما جعلت هدفي الآن «يجب أن أتزوج بسرعة»، بل «لن أسمح للتردد بعد اليوم أن يقرر نيابة عني». فإذا ظهرت امرأة مناسبة، لا تجعل قصتها تنتهي بجملة أخرى من جمل خاطرتك الجميلة والحزينة: «فضاعت الفرصة كالعادة».




