قصصي وخواطري

حب في المريخ

في عام 1881م، كان النقيب السابق في الجيش الأمريكي «كارتر»، على ظلمه، يتمتع بشجاعة فائقة، كما يقال. وكان يعيش، ككل المرتزقة الأمريكيين، على عائدات المغامرات والقرصنة، وأوهام البحث عن الكنوز والتلذذ بمباهج الحياة، وإن كان ذلك على حساب سعادة الآخرين.

وفي إحدى المرات، وبعد مطاردة بينه وبين الهنود الحمر الذين كان يحاول نهبهم، انتهى به المطاف داخل أحد الكهوف المظلمة، فوجد نفسه وجها لوجه أمام مخلوق طويل مفزع يشبه البشر.

مخلوق من جنس «السيتث» الانتهازي العابر للقارات… أقصد المجرات، كما يحدثنا الحارث وديالا عن «البوابات النجمية» وأشباهها، ليمتص عقول… أقصد مقدرات الشعوب.

لم يكن الكهف إلا حلقة وصل بين عالمين، بواسطة تعويذة ضوئية تصل بين البعدين.

وجد كارتر نفسه مضطرا إلى قتل المخلوق الفضائي، فأطلق عليه رصاصة أمريكية الصنع وأرداه دون أن يرمش له جفن. وفي اللحظة التي حمل فيها غنيمته، القلادة الذهبية العجيبة، تلا المخلوق شفرة الانتقال إلى عالمه، فتوهجت حتى ملأ نورها المكان…

الكوكب الأحمر

استيقظ «كارتر» في صحراء مترامية الأطراف. نهض محاولا البحث عن كنز أو مكان يستظل فيه من وهج الشمس، فدفعته الجاذبية في الهواء كالبالون المنفوخ. وبعد عدة محاولات للاستقرار، اهتدى إلى أن القفز من مكان إلى آخر كالضفدعة هو الحل في ذلك المكان.

وبعد عدة قفزات، وجد نفسه في مكان لفقس بيض مخلوقات «التارك» الغريبة، مخلوقات المريخ التي تبيض… مخلوقات خضراء طويلة، لها أنياب مثل الفيلة، وأربع أياد.

المخلوقات العجيبة

نجح «كارتر» في نيل إعجاب قائد مجموعة التارك «تاراس تاركاس» بقفزاته الرائعة في الهواء، فحمله معه إلى الأطلال التي يسكنها قومه. كانت بقايا مدينة صخرية مندثرة، وهناك تسابقت النسوة لتبني المخلوقات الصغيرة المجلوبة.

حاولت المضطهدة «سولا» نيل أحد الفراخ، لكن إحدى النساء المتجبرات أمرتها برعاية «الدودة البيضاء»، تقصد «كارتر»، احتقارا له، وهو الذي لا يمكننا بأي حال من الأحوال وصفه بالمسكين.

الزودانغا

تصارعت على ظهر الكوكب قوتان منذ آلاف السنين، الأولى «الزودانغا» والثانية «هيليوم». كلاهما من جنس شبيه بالبشر، تميل بشرته إلى الاحمرار.

كان الطرفان الوحيدان اللذان يملكان القدرة العلمية، ممثلة في الصناعات الحربية المتطورة، كالطيران بالمركبات، لذا سيطرا على الكوكب سيطرة كاملة، لكن الصراع بينهما لم يتوقف يوما.

وفي اللحظة التي كان فيها «الزودانغا» على وشك الهزيمة، تدخل الجنس الأقوى والأكثر تخريبا في المجرات، جنس «السيتث» اللعين، الذي يشبه في بطشه فرسان الحملات الصليبية، ويمتلك أفراده قدرات عجيبة على التشكل في الصور الآدمية، كما يمتلكون أقوى سلاح مدمر في المجرة: «الشعاع التاسع»… ابن الشعاع الثامن، ابن خالة العاشر… اسألوا الحارث أو ديالا.

فعقد قائده صفقة مع قائد «الزودانغا» المهزوم «سابثان»، من أجل توليته حكم المريخ، أو «بارسوم» كما يسمونه، وأمده بالشعاع التاسع، ابن عمة خالة الثامن، فمالت الكفة لصالحه.

مدينة هيليوم

في تلك الأثناء، داخل قصر الحكم، كانت الأميرة ديالا… أقصد «ديجا فو» الجميلة تجري تجاربها لاكتشاف سلاح مضاد للشعاع التاسع، لترجيح كفة والدها في حربه ضد «الزودانغا» المغترين. ولكن بدا أن الأوان قد فات، فقد أخبرها والدها بأن عليها قبول الزواج من القائد الشرير «سابثان»، إنقاذا لشعبها وللمريخ.

مسكينة المرأة، كم ضحت لأجل القائم عليها وشعبها؟!

همس في أذنها بأن الشرير في طريقه إلى هيليوم، هو وسلاحه المدمر، وأن عليها القبول به صونا للدماء.

تظاهرت «ديجا» بالقبول، لكنها هاجمت مركبة العريس القادمة بحنق، مثلما تهاجم ديالا آراء معارضيها ولا تحتملهم. والتقت المركبات فوق أطلال «الثارك»، ودارت معركة شرسة بين الطرفين. سقطت الأميرة الشجاعة من علو، لكن كارتر استغل قوة ركبتيه في القفز عاليا، ليلتقطها في أحضانه الدافئة.

فوجئت الأميرة بوجود بشر مثلها في ذلك المكان، وبدأت معالم حياة المرتزق الأمريكي في التغير. أيقظ الحب إنسانيته بعد أن كانت نائمة. وأثبتت السينما الأمريكية، كالعادة، أن أبطالها الفجرة لا يستقيمون إلا عندما تكون امرأة جميلة بجانبهم.

حب في المريخ

النهر المقدس

اضطر قائد «الثارك» إلى إرسال ابنته سولا، التي كانت حتى تلك اللحظة تجهل أنها ابنته الوحيدة، مع النقيب والأميرة إلى النهر المقدس، لتظل هناك عساها تلتقي أمها في الجنة بعد عمر طويل، حسب تخاريفهم…

وهناك اكتشفت الأميرة وجود جنس ثالث اتخذته القبائل المتخلفة آلهة، وهو جنس «السيتث» البغيض، وتبدأ في استكشاف مصدر الشعاع الأزرق الذي رجح كفة «سابثان».

وأحست بأن الكائن الأرضي «كارتر» موجود على المريخ لإحداث فارق مهم في حياتها وحياة الكوكب كله.

حب على الطريق

طريق الحياة فسيح… والخروج إلى الدنيا خير من الانغلاق على النفس والكآبة الناجمة عنه. ففي الطريق تعترض الواحد منا عشرات الفرص، فإذا اعتقد أنها عابرة كغيرها، توانى في اقتناصها، وفاتته.

الفرص لا تتكرر إلا نادرا، فاقفز على الفرصة الجميلة التي تعترض طريقك، وتمسك بها جيدا. إما أن تذهب معك، أو تذهب معها، وإلا كان المصير عض الأصابع ندما على فواتها.

كل ما تقع عليه عيناك في طريق الحياة يدخل، ولو للحظة، في عالمك الصغير، عارضا نفسه عليك، وأنت من يجعله يبقى أو يمضي في سبيله. فانتبه، ولا تسمح لما هو ثمين أن يغادر عالمك دون كلام أو سلام.

ترك النقيب خلفه عالما أمريكيا مليئا بالحروب والظلم، وأقبل على عالم جديد لم يكن خاليا من الشر، لكنه وجد فيه الأميرة الجميلة ديجا فو، ومكانة مرموقة لم يحلم بها يوما.

قد تخرج من أرض ضاقت عليك بما رحبت إلى أرض تعتقد أنها دونها، كالبادية مثلا، لكنك تجد فيها ما لا تجده في مدينتك التي تكتظ بالشياطين. تجد البراءة والاستقامة، والهواء الطلق، والمرأة الجميلة، والمكانة التي تتوق إليها… وراحة البال، ومتسعا لعبادة الخالق في تلك الرحابة المنعشة للروح.

الحب القديم

وكان للنقيب «كارتر» في عالمه الأرضي زوجة وابن يحبهما، فرق الموت شملهم. فقد احترقت الزوجة وهي تحتضن ابنها، وترسخت في ذهنه تلك الصورة الملتهبة الحزينة، وأحرقت عالمه، حتى وجد نفسه على ظهر المريخ أمام أجمل امرأة رآها في حياته. فهل يتجاوز الألم والحب القديم؟

نجحت الأميرة في فك شفرة القلادة التي أحضرت النقيب، وأخبرته بأن يردد التعويذة، ويذكر في آخرها كلمة «جاسوم» التي قد تكون اسما لأحد الشياطين، ليعود إلى عالمه الكئيب.

قالت له بعد أن رأت خاتم الزواج القديم في يده:

ـ إن المحارب يمكنه أن يغير سلاحه، لكنه لا يمكنه أبدا أن يغير قلبه.

وأمرته أن يردد التعويذة خلفها، وعيناها تمتلئان بدموع الفراق، لأنه سيختفي من أمامها بعد لحظات، وربما إلى الأبد.

وفي آخر التعويذة، دخل الأشرار إلى المكان، فالتفتت إليهم، ثم عادت بنظرها إلى حيث كان النقيب واقفا، فوجدته قد اختفى. فاعتقدت أنه تخلى عنها وعاد إلى وطنه.

وبقلب مكسور، وعينين جميلتين دامعتين، خطت بتثاقل لتتم مراسم الزواج الثقيل. زواج المصلحة والإكراه الذي تعاني منه أكثر النساء في كل مكان وزمان…

عرس على المريخ

لا ينقصه إلا حضور ديالا والحارث…

أوشك قمرا الكوكب على أن يصبحا بدرين، وهي اللحظة الموعودة وفق الطقوس لإتمام عقد قران الأميرة على القائد الشرير. ازدانت مدينة «هيليوم» بأبهى الحلل، وتعانق الجيشان المتحاربان في انتظار لحظة الانسجام التام بعد الزواج الثقيل على القلوب والنفوس.

لكن كان لدى «السيتث» المتنقلين مخطط آخر، يتمثل في قتل الأميرة بعد الزواج مباشرة، ودخول «الزودانغا» المتخفين خلف الجدران إلى المدينة وتدميرها، ثم امتصاص خيرات الكوكب كله.

لكن النقيب نجح في كشف المؤامرة في الوقت المناسب، والفرار من سجن «السيتث» بمساعدة «سولا» وكلبها الوفي.

أطلال الثارك

اعتقد النقيب، بقدومه رفقة سولا والكلب إلى الأطلال الرائعة التي يسكنها «الثارك» طلبا للنجدة من الزعيم «تارس»، أن ذلك سينقذ حبيبته ومدينة «هيليوم». ولكن هيهات، فقد وقع في غيابه انقلاب على «تارس»، ليجد نفسه في السجن معه.

وواجه الاثنان وحشين ضخمين. وانتصر النقيب بقوة الحب على الوحوش، وقتل الانقلابي الجديد، ونجح في شحن همم «الثارك» لغزو «هيليوم» وتخليص المدينة وحبيبته من الأشرار.

حب في المريخ

وتتوالى الأحداث

نجح النقيب في معركته، وخلع من يده الخاتم الذي رمز للألم القديم، وغير قلبه إيذانا بحب جديد… حب في المريخ.

وفي ليلة الدخول على حبيبته الفاتنة، نجح أحد «السيتث» في تلاوة التعويذة وأعاده إلى صحراء فيرجينيا الحارة المليئة بالثعابين.

وفي الأخير نصح ابن أخته بأن يبحث عن امرأة يحبها وكتاب ممتع ونافع يطالعه… فقد علمه المريخ أن جمال الحياة يكمن في الحب والقراءة… ذلك أفضل من الطمع في ثروات الدول والكواكب.

ونصح ديالا والحارث أيضا… لكن نصيحته لهما تحتاج إلى جزء ثان.

سيد محمد

من موريتانيا، محب للقصة، أؤمن أن وراء كل حكاية فكرة أو مصادفة، وفي كل خرافة معنى يستحق التوقف عنده. أشارككم تأملاتي وتجاربي، وما أرجو أن يكون نافعا من تخاريفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!