كأس العالم 2026… مجرد إعلان يتخلله شيء يشبه كرة القدم

كأس العالم 2026 لم يعد مجرد بطولة لكرة القدم في نظر كثير من المشجعين، بل تحول إلى حدث تسويقي ضخم تكثر فيه الإعلانات والاستعراضات وفترات التوقف. قراءة ساخرة تناقش كيف تغيرت اللعبة وأثر ذلك في الجماهير والوقت والاهتمام.
كأس العالم 2026… مجرد إعلان طويل
لم يعد كأس العالم عند كثير من المتابعين مجرد بطولة لكرة القدم…
كان الأوائل يشاهدون مباراة كرة قدم، أما نحن الآن فنشاهد إعلانًا عالميًا فاخرًا، يتخلله شيء من كرة القدم!
في الماضي كانت المباراة تبدأ، فيجري اللاعبون 90 دقيقة، ثم تنتهي. أما اليوم فتبدأ المباراة، ثم تبدأ الإعلانات، ثم تبدأ تقنية الفيديو الفار واستعراض الحكام المسرحي من شرح لقرار تقنية الفار، وتجاهل له أحيانًا، كما رأى كثير من المشجعين في مباراة إسبانيا والأرجنتين، حين أُلغي الهدف الإسباني الأول بقرار أثار جدلًا واسعًا.
ثم ما إن يمضي ثلث المباراة حتى تبدأ استراحة بسبب الحر، ثم استراحة بسبب الرطوبة، ثم يعود اللاعبون إلى الملعب، وكأنهم تذكروا فجأة أن هناك مباراة أصلًا.
الفيفا لم تعد تبيع كرة القدم وحدها، بل تبيع الدقائق والعمر معها. لقد أصبحت الإعلانات في كرة القدم جزءًا من المباراة نفسها؛ فكل دقيقة يمكن حلبها إعلانًا جديدًا، وكل توقف فرصة لرعاية جديدة، وكل بطولة مشروع استثماري يدر المليارات، ويستهلك من أعمار الناس ساعات طويلة لا يكاد يخلو معظمها من الإعلانات.
حتى الحكم لم يعد حكمًا فقط. فقد رُقّي إلى منصب مذيع رسمي او ممثل يستحق جائزة الأوسكار. يقف بكل وقار، يمسك الميكروفون، ويشرح للجمهور القرار كما لو كان على خشبة مسرح أو كأنه يقرأ بيانًا تاريخيًا سيغير مجرى العالم بينما نصف المتابعين لا ينتظرون الشرح أصلًا، بل عودة الكرة إلى الملعب فقط، وبسرعة.
ولأن السوق لا يشبع، لم يعد يكفي أن تشاهد المباراة في بيتك، بل يجب أن تُساق الجماهير إلى الساحات العامة، وتنصب الشاشات العملاقة، وتوزع الجوائز، وتلتقط الصور، ويشعر الجميع أنهم جزء من “الحدث الإعلاني” أو العالمي بمعنى آخر.
إنها نسخة رياضية من مراكز التسوق: ادخل لتشاهد مباراة، واخرج وقد اشتريت قميصًا، وقبعة، ووشاحًا، وكرة عليها توقيعي أنا شخصيًا، فالمهم ليس صاحب التوقيع، بل وجود توقيع أصلًا!
إضافة للإشتراك في خدمة البث المدفوعة، وربما تقتنع من أول وهلة بأن حياتك لا تكتمل بدون الفيفا وكرة القدم.
وما ان تنتهي المباراة حتى تكتشف أن بعض تلك الساحات تحولت إلى فوضى، وأن الشرطة تتدخل، وأن الزجاج يتطاير، وأن الخاسر لم يخسر مباراة فقط، بل خسر أعصابه أيضًا. وهنا يتبين أن مشاهدة المباراة في المنزل رغم تضييع الوقت الثمين، كان أقل ضررًا على الناس، لأن ما يحدث بعد ذلك لا يبدو أنه يدخل ضمن الخطة التسويقية.
الزمن… قصة أخرى
كانت المباراة ساعتين تقريبًا، واليوم أصبحت أقرب إلى مسلسل قصير. أضف إلى ذلك من يشاهد الدوري الإنجليزي، ثم الإسباني، ثم الإيطالي، ثم الألماني، ثم الفرنسي، ثم دوري الأبطال، ثم كأس العالم، ثم كأس العالم للأندية، ثم المباريات الودية التي لا يعرف أحد لماذا سميت ودية وهي تنتهي دائمًا بعراك وسباب!
ولو جمع هذا الإنسان ساعات المشاهدة في سنة واحدة لاكتشف أنه كان يستطيع خلالها حفظ القرآن، أو قراءة عشرات الكتب، أو تعلم مهنة تدر عليه دخلًا، لكنه بدل ذلك يصبح خبيرًا في التسللات وعدّ الركنيات التي حصل عليها الفريق في الجولة السابعة عشرة من موسم لا يتذكره أحد، بينما يعجز عن تذكر آخر كتاب قرأه… إن كان قد قرأ كتابًا أصلًا.
ومن أعجب العجائب أن بعض الناس يتعامل مع ناديه كما لو كان شركة يملك نصف أسهمها، ومع ميسي كما لو كان أخوه أو أبوه أو حفيده! ولو مر ميسي بجواره في الشارع لما التفت إليه أصلًا.
ثم يحدثك بكل ثقة قائل: “لقد فزنا” و”لقد خسرنا”. “نحن فزنا أو خسرنا” وهو لم يغادر أريكته طوال المباراة. يقول: نحن! ربما يقصد هو وأعصابه، لأن الشيء الوحيد الذي كان يلعب هو أعصابه.
عجبا من شباب يندفعون وراء الكرة… لكن العجب أكبر من كهول لم يغادروا مقاعد المراهقة الرياضية حتى هذه اللحظة. ترىمن تجاوز الخمسين أو الستين، وله أبناء وأحفاد، وربما ينتظره شيء أهم، يدخل في حالة طوارئ رياضية مثل المراهق، يتابع لاعبًا في التاسعة عشرة م عمره في سن أحفاده ويتخذه قدوة!
يصرخ، ويغضب، ويخاصم المراهقين الذين حوله وأصدقاءه في ذلك البلاء، وربما لم ينم تلك الليلة التي خسر فيها ميسي أمام اسبانيا في نهائي كأس العالم 2026. توهم أنه خسر شيئا غاليا: النهائي المقدس عنده، وكأن خسارة المنتخب ستؤثر في مجرى حياته.
لا أحد يلوم أحدا على الترفيه، الترفيه السليم مشروع فالنفوس تحتاج إلى ما يروح عنها، لكن المصيبة أن يتحول إلى وظيفة بدوام كامل، ويصبح أهم من العلم، وأغلى من الوقت، وأقوى حضورًا من الأسرة والحبيبة، وأشد تأثيرًا من القوانين الضريبية.
كأس الأطفال!
من حق أي متابع أن يحن إلى أزمنة كانت الكرة فيها أكثر قوة وأقل استعراضًا، وأبعد عن المبالغات التسويقية.
تشاهد اليوم فريقًا يمرر الكرة عشرات المرات حول منطقة الجزاء، ثم تنتهي الهجمة بتسديدة ضعيفة خجولة تكفي لإيقاظ طفل نائم، لكنها لا تكفي لإزعاج حارس المرمى مثلما تفعل حاملة الكأس نفسها، فريق يلعب كرة تصلح لبطولة المدارس، يقوده لاعبون لم يتجاوز كثير منهم سن المراهقة.
ورأى بعض المشجعين أن أداء بعض المنتخبات العربية أثار كثيرًا من علامات الاستفهام، بسبب قرارات فنية بدت لهم غير مفهومة ولا مبررة. فمنها من ظهر بمستوى لا يشبه ما قدمه في المباراة السابقة، ومنها من كان متقدمًا بهدفين حتى الدقائق الأخيرة، ثم أجرى مدربه تغييرات أثارت دهشة الجماهير، فأخرج لاعبًا أساسيًا، ودفع بمهاجمين بدلًا من تدعيم الدفاع، لتنقلب النتيجة رأسًا على عقب في دقائق معدودة.
حتى كتب بعضهم ساخرًا: “الفرق والدول تقاتل، والعرب يلعبون بقضاياهم… وحتى بالمباريات!”
لعل أكبر انتصار حققه تسويق كرة القدم الحديثة لم يكن في الملاعب، بل في القدرة على تحويل اللعبة إلى صناعة عالمية ضخمة. لقد نجحت في إقناع ملايين البشر بأن متابعة اثنين وعشرين لاعبًا يركضون خلف كرة هي القضية التي تستحق أن تتوقف من أجلها الحياة، وأن تؤجل الأعمال، وتؤخر النوم حتى الصباح، وتستهلك الأعصاب.
ويكفي أن تتذكر أحد الإعلانات العربية التي بُثت أثناء الكأس: أنا الليلة سهران علشان اللعبة الحلوة!
أما الكرة… فما زالت مجرد لعبة لا تقدم ولا تؤخر، لا يجوز التطرف فيها ولا المبالغة مهما كان، لكن الضجيج الذي أحاط بها جعلها تبدو أكبر من الحياة، مع أنها في النهاية لا تعدو أن تكون وقتا ضائعا في متاهات النسيان والإعلانات.
أما الفائز الحقيقي في كل بطولة… فغالبًا ليس المنتخب، ولا المشجع، بل شركات الإعلان التي لا تخسر مهما كانت نتيجة المباراة.





